All for Joomla All for Webmasters

التصوف وبناء الفرد

Rate this item
(0 votes)

عرضنا فيما مضى من مقالات معنى التصوف وحاجة الإنسان إليه وأنه فى الحقيقة هو الدواء لأمراض الأمة الإسلامية ذلك لأنه اتخذ الأخلاق له منهج حياة ، فتعددت مدارسه وكثر رجاله والمنهج واحد هو الأخلاق ، تلك الأخلاق التى يفتقدها الكثير من الناس ليعيشوا بها ويموتوا عليها فتصح حياتهم ويفوزا بعد مماتهم ، لذا أكد عليها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.


ولقد اهتم التصوف باللبنة الأساسية التى يبنى منها المجتمع وهو الفرد المسلم ، فصلاح الفرد فيه صلاح المجتمع يقول الإمام أبو العزائم : (لما كان المسلم في الحقيقة هو فرد ذاته ، وهو المجتمع في أهميته ، لأنه وإن كان المسلم واحداً إلا أنه مطالب شرعاً بما لا يعمله إلا المجتمع ، لأن كل مسلم جعله الشرع كعضو ، وجعل المجتمع كالجسم . قال صلى الله عليه وآله وسلم : (المسلمون كالجسد الواحد إذا مرض عضو منه تداعى له بقية الجسد بالسهر والحمى) [رواه البخاري ومسلم]. وقال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة آية: 32). فكأن الفرد الواحد من المسلمين هو المجتمع في الحقيقة، إذ بصحته صحة جميع الجسد، فهو مطالب أن يزكي نفسه ليطهرها من العقائد الفاسدة) .[دروس تزكية النفوس]
والتصوف بمعناه ومنهجه وما يقوم به من سلكوه من الأئمة يهتم بهذا الجانب ؛ فتجد الولى المرشد والخبير القرآنى والإمام المربى والشيخ الصوفى يهذب تلاميذه ويزكى نفوسهم ويعالج أمراضها ويطهر أرواحهم ويغذيها بغذائها ، ويشغلهم بالذكر بشتى صوره ، ويأمرهم بالفكر فى كل أحوالهم وشئونهم ، ويبلغهم مقام المعرفة بربهم قال تعالى : (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)[الفرقان:59] وقال تعالى : (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا)[الكهف : 17] ، حتى يصير العبد متعلق بربه ، مقلب بين الذكر والفكر كما وصف الله تعالى أولى الألباب فى قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[آل عمران] وتلك الأمور تبنى إنسانا سويا متعلقا بربه متأسيا برسوله صلى الله عليه وآله وسلم شاغلا نفسه بعيوبه عن عيوب غيره ذاكرا شاكرا فاكرا طاهر القلب زكى النفس صفى الروح فيعامل الله فى الخلق فتكون فى الأرض أجسادهم والعرش مقعدهم قلوبهم طهرت والله هاديها ، هم الشموس لشرع المصطفى وهم سفينة الوصل باسم الله مجريها .
لذا أثرنا أن نبدأ الحديث عن منهج التصوف فى بناء الفرد المسلم لنفصل طرق تزكية النفس وتطهير القلب والروح ومعانى الذكر وحقيقة الفكر وأداب صحبة الولى المرشد الخبير القرآنى مسترشدين بما قدمه الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم فى تلك الأمور فى تراثه ، فقد بين رضوان الله عليه كل ما يتعلق بالنفس من وصف وتزكية وأنواع النفوس وأمراضها وعلاجها ومراتب الذكر وخصائصه وآدابه ومفاتيح الفكر وغير ذلك مما لابد معرفته للسالك طريق الله تعالى المنتهج منهج التصوف ، نسأل الله تعالى أن ينفع به كل مسلم إنه ولى ذلك والقادر عليه .
أولا : تزكية النفس :
النفس فى القرآن والسنة :
لقد ذكر المولى سبحانه النفس فى مواطن عديدة فى القرآن الكريم منها قوله تعالى : (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً)[البقرة:48] وقال تعالى : (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ)[الزمر 70] وقال جل شأنه : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ.... الآية )[آل عمران 30] وقال سبحانه : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ)[طه:15] وقال سبحانه : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[الشمس : 70-10] أما فى السنة فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم النفس فى أحاديث منها قوله صلى الله علي وآله وسلم : (والذي نفس محمد بيده لن تموت نفس قبل أن تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .... الحديث) وقال صلى الله علي وآله وسلم : (المجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله عز وجل ) وقال صلى الله علي وآله وسلم : (أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه)
من عرف نفسه عرف ربه :
إن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس ، فتعرف بمعرفتها ربك ، كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)[فصلت: 53]. وقال الرسول ﴿صلى الله علي وآله وسلم﴾: (مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ)[رواه ابن السمعانى] ، وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله ﴿ صلى الله علي وآله وسلم﴾: (يَارَسُولَ ٱللهِ أَيْنَ ٱللهُ؟ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ فِي ٱلسَّمَاءِ؟ قَالَ ( فِي قُلُوبِ عِبَادهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ)[الطبرانى].
فالإنسان إذا جهل نفسه ، انحط فصار كالأنعام أو أضل ، وربما انمسخ فكان شراً من الشيطان ، يعبد هواه وحظه ، لا يمنعه عن فعل الشر إلا سوط سلطان ، أو مرض أو عدم إمكان ، والجاهل بنفسه عدو نفسه ، يرمي بها في مهاوي الهلكة ، فلا يبالى أن يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تيسر له حظه ، لا ينظر بعين الفكرة، ولا يتدبر بباعث العبرة، وإنما قيمة الإنسان في المجتمع بقدر علمه بنفسه، فإذا رأيت إنساناً يستهين بأحكام الله، فلا يحرم ما حرم، ولا يقوم بما عليه أوجب، فاحكم عليه أن صورته صورة إنسان، وحقيقته حقيقة شيطان وتوق شروره، فلا تأمنه على مال، بل ولا على عرض، بل ولا على دين، وكيف تأمن من يهلك نفسه بمخالفة أحكام الله تعالى؟ خصوصاً ما كان منها صريحاً، ولا يقبل التأويل، فقد يترك الإنسان المسلم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويظهر نفسه أمام الناس أنه ولي، وقد يستعمل الربا في معاملته ، فيغضب الله تعالى ليجمع المال ، وقد يشرب الخمر مع تحققه بضررها، وصعوبة تناولها، وغلو ثمنها وحرمتها ديناً، وإفسادها للصحة والعقل، والشرف بين الناس، ومع علمه الحقيقي بتلك المضار كلها يشربها فرحا متلذذاً ، أمثل هذا يكون إنساناً؟ لا. بل ولا حيواناً، بل ولا شيطاناً، لأن الحيوان لا يضر نفسه ، وإن أضر غيره، والشيطان لا يقصد ضرر نفسه، ولكنه يجتهد أن يضر غيره بالغواية، فإذا أضر غيره تبرأ منه. وهذا الجاهل بنفسه يضر نفسه، بعمل المحرمات، ويضر أقاربه وأحبابه لأنهم يقلدونه في أعماله إن كانوا جهلاء مثله ، أو يقهرونه على ترك القبائح إن كانوا عقلاء ، فتحصل العداوة والبغضاء .
فخاصية الإنسان العلم والحكمة، وهو أشرف الأنواع، وفيه كمال سعادته، وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال، فالبدن مركب للنفس ، والنفس محل للعلم، والعلم هو مقصود الإنسان ، وحاجته التي لأجلها خلق .
من ذلك ترى أن الصوفية لم يحرصوا على دراسة العلوم وتحصيلها طلباً للحقيقة، وإنما أخذوا أنفسهم بالرياضة الروحية، والإقبال على الله، اعتقاداً منهم بأن ذلك هو طريق المعرفة.
فصلاح الفرد لا يكون إلا بتزكية نفسه ، لأنها أعدى عدوه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك) [رواه البيهقي]. فإذا عرفت نفسك كان بالحق أنسك ، ومن جهل نفسه أنس بما تأنس به الأنعام ، واستوحش من الملك العلام ، فابتهج بالدني والوبي ، وحجب عن النور المضي ، ولا عجب ؛ فإن الخفاش لا يرى ضوء الشمس مع سطوع أنوارها، وتلألؤ أضوائها، ومن استضاء بنور الشمس سلك طريق الشهوات، ومن استضاء بنور الحق صغرت عنده أرقى المقامات . ومن جهل أعدى عدوه عادى أحب الناس إليه.
وصف النفس:
لوصف النفس معنيان : الطيش والشره ، فالطيش عن الجهل ، والشره عن الحرص ، وهما فطرة النفس. فمثلها فى الطيش كمثل كرة أو جوزة فى مكان أملس منحدر سكونها بالمنة، فإن أشرت إليها وحركتها أدنى حركة تحركت بوصفها، وهو صفتها واستدارتها . وصورتها فى الشره المتولد من الحرص، على صورة الفراشة وأنها تقع فى النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها الضوء وفيه هلاكها، فإذا وصلت إلى شىء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها، فتحرص على الغاية منه وتطلب عين الضوء وجملته، وهو نفس المصباح فتحترق، ولو قنعت بقليل الضوء عن بعد سلمت ، فكذلك النفس فى طيشها الذى يتولد من العجلة ، وفى شرهها الذى ينتج من الحرص والطمع، وهما اللذان كانا سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة، لأنه طمع فى الخلود فحرص على الأكل . وقد مثل بعضهم النفس فى شرهها بمثل ذباب مرَّ على رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقتله ، وآخر مر به فدنا من بعضه فنال حاجته، فرجع إلى ورائه سالماً .
وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود القز، لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص لأن القز يلتف عليه ، فيروم الخروج منه فيشمس فيقتل نفسه ويصير القز لغيره ، وربما قتلوه إذا فرغ من نسجه ، وربما غمزوه بالأيدى حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحاً ، فهذه صورة المكتسب الجاهل ، الذى أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقى به ، فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه ، وإن عصوا به كان شريكهم فى المعصية ، لأنه أكسبهم إياها به ، فلا يدرى أى الحسرتين عليه أعظم ؟ إذهابه عمره لغيره ، أو نظره إلى ماله فى ميزان غيره .
وجبلات النفس الأربعة هى أصول ما تفرع من هواها ، وهى مقتضى ما فطرها عليه مولاها ، أولها الضعف : وهو مقتضى فطرة التراب ، ثم البخل : وهو مقتضى جبلة الطين ، ثم الشهوة : وموجبها الحمأ المسنون، ثم الجهل : وهو ما اقتضاه موجب الصلصال ، وهذه الصفات على معانى تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج ففيه بدء الأمن والاعوجاج: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾[الأنعام:96].
ثم إن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة، أولها : معانى صفات الربوبية نحو الكبر والجبرية وحب المدح والعز والغنى . ومبتلاة بأخلاق الشياطين ، مثل : الخداع والحيلة والحسد والظنة . ومبتلاة بطبائع البهائم وهو حب الأكل والشرب والنكاح ، وهى مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف والتواضع والذل بمعنى ما قلناه . قيل: إنها خلقت متحركة، وأمرت بالسكون وأنى لها ذلك؟ إن لم يتداركها المالك، وكيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها بالخير .
فلا يكون العبد عبداً مخلصاً حتى يكون للمعانى الثلاثة محصلا ، فإذا تحقق بأوصاف العبودية كان خالصاً من المعانى التى هى بلاؤه من صفات الربوبية . فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص فى المعاملة عند العاملين ، وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب ، وذلك أنـه لا يكون عندهم عبداً ، حتى يكون مما سوى الله عز وجل حراً ، فكيف يكون عبد رب وهو عبد عبد ؟ لأن ما قاده إليه فهو إلهه ، وما ترتب عليه فهو ربه ، وهذا شرك فى الإلهية عند المتألهين ، ومزج بالربوبية عند الربانيين، فهو ملك متعوس منكوس بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة، تعس عبد الحلة). فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم : ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾[مريم: 93- 94] أصحاب النفوس الأمارة بالسوء المسولة الموافقة للهوى المخالفة للمولى.
أما من ذكروا فى قوله تعالى : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾[الفرقان :63]. إلى آخر وصفهم ، أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية ، هم عباد الرحمن ، أهل العلم والحكمة، علمهم من لدنه، واختارهم لنفسه .
وعن كميل بن زياد قال : (سألت مولاي أمير المؤمنين علياً كرم الله وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين : أريد أن تعرفني نفسي ، فقال: يا كميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك ؟ فقلت: يا مولاي وهل هي الأنفس واحدة ؟ قال: يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية ، والحسية الحيوانية، والناطقة القدسية ، والكلية الإلهية . ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصتان : فالنامية النباتية لها خمس قوى : جاذبة ، وماسكة ، وهاضمة ، ودافعة ، ومرتبة ، ولها خاصتان الزيادة والنقصان وانبعاثها من الكبد . والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع ، وبصر ، وشم ، وذوق ، ولمس ، ولها خاصتان : الرضا والغضب ، وانبعاثها من القلب . والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر، وذكر، وعلم ، وحلم ، ونباهة ، وليس لها انبعاث ، وهى أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ولها خاصتان : النزاهة ، والحكمة . والكلية الإلهية لها خمس قوى : بقاء في فناء ونعيم في شقاء، وعز في ذل ، وفقر في غنى ، وصبر في بلاء ، ولها خاصتان : الرضا ، والتسليم ، وهذه هي التي مبدؤها من الله وإليه تعود ، قال الله تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)[الحجر: 29] . وقال تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً)[الفجر: 27-28] .
أقسام النفوس وأنواعها :
الإنسان من حيث هو إنسان ، قابل لما يزاوله من صناعات أو فنون أو علوم تتعلق بالأحكام الشرعية، أو بتربية النفوس، وسياسة المجتمعات، وغيرها من العلوم، ولكن الإنسان يختلف عن الإنسان بحسب النفوس.
فكم من محصل نال من العلوم ما لو قسم على كثيرين من الناس لوسعهم، وهو شر على المسلمين من الشيطان، وأضر عليهم من الوحش؛ ذلك لأن نفسه خبيثة، من أكثف الجواهر النفسانية.
وكم من إنسان تحصل على قليل من الضروري، ولكنه فوق الملك الروحاني قدراً، بل وأنفع للمجتمع من الشمس المشرقة على الناس ضحوة؛ ذلك لأن نفسه من أصفى جواهر النفوس، لذلك كان أهل الإيمان لا ينظرون إلى علم الرجل وماله وقوته وعافيته، بل ينظرون إلى أعماله، ورعايته للعلم الذي تعلمه، وخشيته من الله تعالى، ولو أن الدروس والعلوم ترفع قدر الرجل عند الله تعالى، لكان أرفع الناس إبليس، وإذا أراد الله سعادة الأمم، شرح صدور أهل النفوس الطيبة للعلم، فجمع الله لهم بين الجمالين : جمال النفس، وجمال الدرس، ورجل واحد صاغ الله نفسه من أصفى جواهر النفوس، وعلمه العلم النافع، أنفع للمسلمين من الماء الجاري، ومن الهواء، لذلك كان أشد الناس عداوة للرسل أكابر مجرمي الأمم من علماء السوء، فمنهم الذين حرفوا كلام الله تعالى عن مواضعه.
وقد قسم الإمام أبو العزائم النفوس قسمين فقال : (النفوس قسمان : نفس نورانية، خلقت من الجمال، ونفس شريرة لا تؤثر فيها الذكرى والموعظة ، ولو كانت في ابن نبي أو رسول أو صديق، والمثال : ابن سيدنا نوح، ولو تربت النفس الشريرة مع الملائكة لم تؤثر فيها التربية ، فلابد أن تعود إلى شرها ، ومثال ذلك تربية موسى السامري مع سيدنا جبريل . والنفس النورانية لا يؤثر فيها الشر، ولو تربت مع إبليس، ومثال ذلك تربية سيدنا موسى مع فرعون .
فبين جواهر النفوس تفاوت ، يقف العقل دون فهم نسبه ، فمن النفوس ما جوهرها من أدنى جواهر النفوس الإبليسية الشريرة ، ونفوس أهل الإلحاد والجحود ، والشرك بالله تعالى ، وهؤلاء لا تزيدهم الحجة إلا بعداً، ولا البرهان إلا جحدًا ، ولا الآيات إلا إنكاراً . قال الله تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ)[البقرة: 145]. وقال تعالى: (وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ )[الأعراف: 132]. وأهل هذه النفوس لا تخفى علامتهم ولو كانوا مسلمين ظاهراً ، وإنما هي نفوس خفيت على عيون الرءوس ما احتوت عليه ، قال تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ)[البقرة: 14] .
أما النفوس التى صاغها الله من الجواهر الصافية فإن منها ما هو مجذوب إلى حضرة القدس ولو بغير آية ، ولا دليل ، أو برهان ، كنفوس الفتية أهل الكهف ، أو بدليل ، كنفوس سحرة فرعون مع موسى عليه السلام أو بالوجد الصادق كنفوس أفراد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أو أفراد التابعين كأويس القرنى وابن المسيب وابن جبير وغيرهم كحبيب العجمى والبلخى ورابعة العدوية ممن صال عليه الحق صولة ملأت قلوبهم حباً ، وبصائرهم مشاهدة لجماله العلى . [دروس تزكية النفوس] .
وقد ذكر الإمام أبو العزائم أنوع النفوس من الأكمل إلى ما هو أقل من ذلك فى كتابه النور المبين كما يلى :
أكمل النفوس نفس المصطفي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ :
إن الله تقدست ذاته وتنـزهت صفاته خلق نفس سيدنا مولانا رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] نورا من نوره سبحانه وتعالي منـزهه مطهرة ، أكمل النفوس علي الإطلاق من الرسل والملائكة ، وأمد نفوس الرسل عليهم الصلاة والسلام من هذا النور المحمدي ، فهي أكمل النفوس بعد نفس سيدنا ومولانا رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] ، طهرها الله تعالي وزكاها وعصمها لأنه سبحانه وتعالي جعل نفوس الأنبياء أئمة لعباده وقدوة لخلقه وأظهر علي أيديهم صلوات الله وسلامه عليهم ما لا يقدر علي إيجاده إلا الله سبحانه وتعالي من عجائب الآيات وغرائب المعجزات ، ولما كانت أنوارهم أفاضها الله تعالي عليهم من نور سيدنا ومولانا محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] كما هو صريح القرآن المجيد ، وسر بشائر أسفار الرسل عليهم الصلاة والسلام خصوصا ما صرح به سيدنا عيسي بن مريم رواية حواريه برنابا عنه [صلى الله عليه وآله وسلم] بقوله ( الرسول الذي يأتي من بعدي محمد أتمني أن أكون حاملا لحذائه ) ولا أقول ذلك تنقيصا لمقامات رسل الله صلوات الله عليهم ، أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . ولكن إظهاراً لفضل الله علينا جماعة المسلمين وتحدثا بنعمته علينا ، ودليل ذلك قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾[آل عمران :81].
نفوس الرسل عليهم السلام :
لست في مقام التفاضل ولكني في مقام الفكر في النفوس ، فانظر يا أخي إلي النفس التى جعل الله لها الأرض بحراً لُجِّياً وأنجاها في سفينة هي ومن أحبت ، وانظر إلي النفس التى جعل الله لها النار روضة من رياض الجنة . وإلي النفس التى جعل الله لها العصا ككلمة ( كن ) فجعلت البحر يبسا ، وصارت حية ذات روح تسعي ، وفجرت ينابيع الماء العذب من الحجر الصلد . وتفكر في النفس التى منحها الله الكلمة فأحيت الموتي وأبرأت الأكمه والأبرص ، وخلقت من الطين كهيئة الطير . ثم أقبل بقلبك وقالبك ، واعلم بأن تلك المعجزات آيات للإثبات قد تنتج لمن شهدها الكمالات وقد لا تنتج . وانظر إلي الروح القدسية التى هدي الله بها بعد الضلالة ، وجمع بها بعد التفرقة ، ونوَّر بها بعد الظلمة وأحيا بها بعد الموت ، وأعز بها بعد الذل ، وقوي بها بعد الضعف ، ومكن بها بعد الخوف . تناول يا أخي من صافي هذا الشراب الطهور كيف أقام الله سيدنا ومولانا محمدا [صلى الله عليه وآله وسلم] مقاما لم يقم فيه قبله نبي مرسل ولا ملك مقرب ، وكيف لا وقد أقامه مقام نفسه سبحانه ، وذق ذلك من آيات القرآن الحكيم . أسأل الله تعالي أن يعيننا علي شكر النعمة التى أنعم بها علينا بحبيبنا وسيدنا محمد [صلى الله عليه وآله وسلم].
نفوس الأولياء :
ومن النفوس الكاملة نفوس الأولياء الذين طهرهم الله وزكاهم ، وجعلهم ورثة لرسله ونجوما في أفق صراطه المستقيم ، وأظهر بهم غرائب وعجائب ، فكم أحيا بهم قلوبا ميتة وهدي بهم نفوسا لقسة ، وكم شفا عند دعائهم من الأمراض ، وأنزل الأمطار وأزال البلاء ونفس الكرب ، وجعل السباع لهم مركبا ، والوحوش تأنس هم بهم ، والطير تتساقط عليهم ، وغير ذلك من الآثار العجيبة التى لا يقصدون عملها ، ولكن الله سبحانه وتعالي يكرمهم بها لأنهم أولياؤه المخلصون . ويظهر علي أيديهم ليظهرهم لعباده ولينبه بقدرهم عند خلقه ليحسن الاقتداء بهم والاهتداء يهديهم ، فإذا تفكرت في تفاوت تلك النفوس وتباينها وفي خصوصياتها ، علمت يا أخي قدر الفضل العظيم وذقت حلاوة التوحيد .
نفوس أهل الفراسة :
وهناك نفوس يا أخي يكشف لك أهلها من وراء الستائر بعض ما جري به القدر تلويحا لا تصريحا فتشير بما يلوح لها وتبشر : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[الحجر :75] وقال [صلى الله عليه وآله وسلم] : ( اتقوا فِراسَةَ المؤمنِ فإنه ينظرُ بنورِ اللهِ )[الترمذى] وكم من بشائر كانت يقينا ، ومن إشارات كانت أقوي من التصريحات ! وهي نفوس فاضلة مؤهلة لمقامات الولاية ومنازل العناية ، وتلك النفوس كثيراً ما تستدل بالأحوال الظاهرة علي الأمور الباطنة .
نفوس أصحاب القيافة والكهنة وأصحاب العرافة :
ومنها نفوس أصحاب القِيَافَةِ ، والقيافة إما قيافة البشر وإما قيافة الأثر. فقيافة البشر أن تدرك النفس أن هذا المولود ابن فلان او ابن فلانه ، فيؤتي للرجل منهم بالمولود ومعه عشرون رجلاً وعشرون امرأة فيقول هذه أمة وهذا أبوه فيكون كما قال ، وكم حصلت منهم عجائب . ويكثر هؤلاء القوم في بني مدلج . أما قيافة الأثر فتكثر في بلاد المغرب وقد رأيت في بلاد السودان كثيراً من الناس يقيفون الأثر حتي قد يسرق من الرجل ماله ليلا ، فَيُحْضَرُ الرجل منهم فيمشي معهم حتي يصل إلي المال الضائع ويحضره ، ورأيتهم يعرفون قدم الشاب من الهرم والرجل من المراة ، ولكن ذلك لا يكون إلا في الأراضي الرملية التى تظهر فيها الآثار .
ومنها نفوس الكهنة . وهي نفوس تتلقي الروحانيات وتكتسب أحوال الكائنات التى تدل عليها المنامات وغيرها من الحادثات ولهم حوادث لا تحصي وغرائب لا تستقصي ، أشهر ذلك ما أخبر به سطيح وشقّ الكاهنان من قرب بعثة النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] وما يكون من الفتح والنصر له [صلى الله عليه وآله وسلم] .
ومنها نفوس أصحاب العَرَاَفة. وهي نفوس تستدل ببعض الحوادث علي بعض لمناسبة بينها أو مشابهة ، وكثيراً ما أخبروا عن أشياء وافقت الحقيقة ، ولا يخلو كل زمان من وجود كثيرين من أهل تلك النفوس .
النفوس المؤثرة :
هذه النفوس لها قوة تأثير فمنها ما يؤثر بالنظر ، فإذا نظر الرجل منهم إلي آخر أو إلي ماله نظر تأثير أضره ذلك ، وقد ينظر أحدهم إلي نفسه أو ولده أو ماله . وتلك النفوس تأثيرها بالانفعال الذي ينتجه الحسد أو التعجب . وقد ورد في العين أحاديث كثيرة ، وقد وردت الأدعية النبوية والرُّقَٰي لدفع شر العين . ومن قرأ المعوذتين في كل يوم صباحاً ومساء بعد خواتيم البقرة وقال : (أعوذ بكلمات الله التامات كَّلها من شر ما خلق ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، اللهم صَلِّ علي سيدنا محمد الرءوف الرحيم ، وأعذني من شر كل ذي شر في الأرض وفي السماء ، يا حفيظ يا سلام يا الله) . حفظه الله من شر العين .
ومن تلك النفوس ؛ النفوس المؤثرة بالتمتمة والعزائم واجتماع الهمة لدفع ضرر أو لجلبه لعدوهم ولا يلزم أن تكون تلك النفوس مؤمنة ، بل قد يقع ذلك من المؤمن والكافر ، ومن الرجل والمرأة ، والحر والعبد ، لأنها نفوس مستعدة لذلك ، وربما كان لها ذلك التأثير قبل سن البلوغ ، ويعرف ذلك بشدة التأثير من المؤلم وظهور الذل والالتجاء إلي الدعاء . ومن تلك النفوس المؤثرة نفوس أهل الطلسمان والتمائم ، العالمين بطبائع الحروف والإنسان والحيوان ، وبطوالع الأفلاك ؛ ولهم تأثير عجيب في أعمالهم بقوة تأثيرهم خصوصاً علي أهل النفوس القابلة للتأثير ، ويكون ذلك بعلمها أشد . فكم فرقوا بين الزوج وزوجه ، وجعلوا بعض الناس في ذهول عن لوازمهم الضرورية ، وأثروا علي بعض الناس بإضعاف الخيال ، حتي يري كأن آتيا يأتيه ويتكلم معه ليلا ، أو يتخيل ذلك نهارا . ومن هذه النفوس المؤثرة نفوس الذين يبينون الضائع ويكشفون خبايا الأرض ، فإن لهم تأثيرا عجيبا علي بعض النفوس ، حتي يجرد الذي يؤثر عليه من عالم الحس مع يقظته كأنه نائم يسمع ويجيب ويمشي ، وذلك بتأثير نفساني علي قوي النفس الإنسانية . ولم يكن للمسلمين عناية بمثل هذه الأمور التى نهي عنها الإسلام ، ولكن كان يعتني بها أهل النفوس المؤهلة لها بالفطرة فبقيت آثارها للآن ، ومتي كملت عقيدة التوحيد ، وطهر الخيال من تمثيل الحقائق بغير حقيقتها ، لا تؤثر تلك النفوس علي من اتصف بتلك الصفات . وقد ظهر ببلاد بني الأصفر تأثير تلك النفوس وهو الذي يسمونه بالنوم المغناطيسي . ومن تلك النفوس نفوس تؤثر بازدواج بعض النغمات ، وأصوات الطبول ، تأثيرا عجيبا يفضي إلي زوال بعض الأمراض كالفالج واللوقة ومبادى النقطة وأمراض من أنواع التشنج ، ولكن أصحاب تلك النفوس لابد أن يكونوا حكماء ليعملوا تلك الأعمال بمقادير متناسبة وفي الأمراض المخصوصة .
وقد ادعي أهل الغواية هذا العمل بحالة مزعجة حتي أفسدوا خيال كثير من الناس، وأوهموهم أن هناك عفاريت تأتيهم ، وشيوخ تزورهم لا للإستشفاء بل لخديعة الناس وسلب أموالهم ، ويسمونه الآن بالزار ، والضرر به صار عاماً والمصاب به صار طاماً ، وما ذلك إلا من استيلاء الجهالة علي العامة . وقد كثر بذلك الفساد في النساء ، حتي صار الرجل يأخذ زوجته بيده ويذهب بها إلي الزار ، وربما صنعه في بيته ، وقد يكون من أهل الفضل والعلم ، وهذا كله من كيد النساء - إن كيدهن عظيم - .
ومن تلك النفوس : نفوس تؤثر علي النفوس لتركيب بعض عقاقير وتآلفها وسرعة الحركة في ذلك ، وعمل ما يخيل للرائي صورا وأعمالاً غريبة ، وأصحاب هذه النفوس يلزم أن يكونوا علماء بخواص العقاقير أو تلقَّوْا هذا العلم ، ويسمي بعلم النارنجيات وله تأثير غريب في هذا الباب ، وهذا لا بأس إن لم يجر فسادا بأن كان المراد بالعمل به إظهار أسرار العقاقير منفردة ومزدوجة ، كما يحصل ذلك في التراكيب الكيماوية .
و أما إن جر إلي فساد بأن يوهم الناس بأن ذلك من فعل العفاريت ، وأن هنا كنـزا يريد فتحه ، أو أنه يمكن أن يحضر العفريت الفلاني يتكلم معه ؛ فإذا حصل منه فساد فمحرم شرعا .
وتأثير النفوس لا ينكره إلا من لا نفس له ، فإن الله سبحانه وتعالي كما جعل لكل نبات ولكل معدن ولكل حيوان خواص وتأثيرات ، فإن الله تعالي جمع ذلك في نفوس الإنسان وأكثر . وكم رأينا من أعمال الحواة والمشعوذين وتأثير نفوس السحرة ما لا يصدق به الإنسان إلا برؤيته .
تأثير نفوس أولياء الله الكاملين :
وفي تأثير نفوس أولياء الله الكاملين العجيب الذي ورد في الكتب السماوية ما فيه البرهان علي ذلك ، فإن آصف بن برخيا وَلِيُّ وأحضر صرح بلقيس في أقل من لمح البصر ، وإن مريم بنة عمران صديقة وكانت تأتيها الفاكهة التى ليست موجودة في الأرض كل يوم . ونطق الغلام شاهد سيدنا يوسف الصديق . وإكرام الله تعالي للصديق الأكبر سيدنا أبى بكر رضي الله عنه عندما أمر بإرسال الجيش إلي بني حنيفه وإلي الروم وفارس وقام الصحابة جميعاً منكرين ذلك ، وقال له سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : كان رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] يقاتل بالملائكة فالزم بيتك ومحرابك ، فغضب وقال : والله لو لم يكن إلا أني أقاتل منفردا لما قعدت عن الجهاد ، وأثَّر علي جميع الصحابة ، فكان ما كان مما لا يخفي علي مسلم . وما أكرم الله به الفاروق رضي الله عنه وهو يخطب علي منبر رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] ، وفي أثناء الخطبة نادي : (( يا سارية الجبل ! )) والقصة مشهورة . وذكر ما أكرم الله به أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] والتابعين وأتقياء المسلمين إلي وقتنا هذا لا تسعه الأسفار ، وما وهبه الله تعالي للنفوس من الأفعال الخاصة بها روض زاه زاهر تقتطف منه الأفكار المؤهلة لمشاهدة آيات الله ، فسبحان الواسع العليم القادر الحكيم .
نفوُسَ تَعْلَمُ الحوادث الكونية الغائبة :
ومن النفوس المؤثرة نفوسُ تَعْلَمُ الحوادث الكونية الغائبة عنها بتركيب أعداد وتحليلها ، وتلك الأعداد تجمع من جُمَّلِ الطالع الفلكي والسؤال المقصود وتوضع جداول مقسمة علي نسبة أصول معلومة لديهم ، تنتج الجواب المطلوب نظما أو نثرا ، وتسمي بعلم اليازرجي ، وتلك النفوس لها تأثير عجيب في تقسيم الأعداد إلي أجزاء متناسبة ، ووضعها في أوفاق واستخراج أسماء منها ، واستحضار قلب صاحب النفس بتلاوة بعض العزائم عليها ، فيحصل من ذلك تأثير عجيب علي النفوس الأخري .
ومن تلك النفوس نفوس تخط في الرمل خطوطا مقسمة إلي نقاط ثم تسقطها زوجا زوجا ، وتركب ما بقي أمهات ، وتستنتج منها بنات وأوتادا وموازين ، وهناك شكل من هذا يمكن أن يخرج منه ستة عشر حرفا فيه الجواب المطلوب.
ومنها ما يؤثر بالحصي ، وقد رأيت ببلاد مصر نساء يستعملن الفول والملح ، وفي بلاد السودان يستعملن الودع ويخبرن بجواب السؤال ، فيحصل ما يقلن ، وذلك من تأثير النفوس .
ومنها نفوس تنظر إلي الكف ، فتعلم منه علوما حصلت وتحصل ، وأصحاب هذه النفوس اصطلحوا علي أن يجعلوا للخطوط التى في الكف معاني مخصوصة ويستدلون بها علي أشياء . ولو نظرت يا أخي في بني الإنسان نظرة متفكر يظهر لك أن لكل فرد منهم مزايا وخصوصيات وعلوما وأسراراً لا يمكن أن تجمع في واحد ، ولابد أن تكون منتشرة لكل فرد قسطا ، والعلم كله في العالم ، قال الله تعالي ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ ( ) هذه بعض الآيات التى يمكن أن تسطر في بطون الأوراق . [النور المبين]
أمراض النفوس وعلاج كل منها :
لما كانت النفوس متنوعة ومتفاوتة تجد أن أمراضها أيضا متنوعة ومتفاوتة بحسب صاحب ذلك النفس ، فهناك أمراض للعلماء الربانيين ، وأمراض للزراع ، وأمراض للتجار وأمراض للدعاة إلى الحق وأمراض للعامة ، ، ومصدر تلك الأمراض النفسية الحس ، يقول الإمام أبو العزائم : (اعلم أيها الأخ الكريم وأيدك بروحانية رسول الله صلى الله عليه وآلله وسلم أن الإنسان نفس وجسم وحس وأن بلاء الإنسان في كل الأمراض النفسانية في الإنسان من الحس، ومن ملك حسه وقهره بالقرآن والسنة يرى ربه – سبحانه- ويبلغ من الدرجات العلية أن يكون ربانياً روحانياً عالماً راسخاً في العلم، لأن الحس يقهر العقل والنفس والجسم، وهو باب الشيطان الذى يدخل منه على القلب؛ وذلك لأنه كان له غذاء يتغذى به في الجنة، وهو مسراته ببهاء جمال الحق، وبهجته بأنوار التجليات التى تبهر العقول بضيائها الملكوتي فلما أن تمكن الشيطان من آدم عليه السلام في الجنة كان سبباً في معصية آدم وأكله من الشجرة، فغضب الله على إبليس ولعنه؛ لأنه من جسم ناري لا يصلح لخير، ثم غضب على آدم، وتاب عليه؛ لأنه من طين، وحكم عليه أن يعيش بكد وعناء، وغضب على الحس فحرمه من غذائه الذى كان يتغذى به في الجنة، حتى يعود إليها إن اختاره الله تعالى، فهو في غاية الجشع إلي غذائه، يفتش عليه ولا يجده، فيوقع النفس فيما يغضب الله تعالى، وتلك القوة التى هي الحس منتشرة في جميع الجسد وجنودها السمع والبصر والشم والذوق واللمس والفرج والبطن، فهى تقهر العقل، ولا يقوى على مدافعتها إلا إذا أعانه الله – تعالى - ووفق من يشاء فيهب له النور الذى تستبين به سبل الله تعالى، وتظهر بشاعة الذنوب والمعاصي وقبحها ولديها فقد يقهر العقل الحس وقليل ما هم ) .
وقد فصل الإمام أبو العزائم أمراض النفس وذكر كل مرض وفصل أعراضه وأسبابه، وعلاجه، والأدوية اللازمة له كما يلى :
أولا : أمراض الخفا للعلماء الربانيين :
العلماء الذين أعنيهم في كلامي هذا هم الذين منحهم الله تعالى الفقه في دينه، ووهب لهم سبحانه وتعالى علم الرعاية في أحكامه، حتى علموا حكمه في كل حكم، فسارعوا إلى المراد له جل جلاله فيما حكم لا إلى الحكم كما يفعل أهل التقليد، الذين لا همَّ لهم إلا تأدية المأمور به، بحركات وسكنات وألفاظ مجردة عن الرعاية، التى بملاحظتها يصير العالم كأنه يرى الله أو تحصل له الخشية من رعاية أن الله يراه، فيكون : إما في مقام الإحسان لاستغراقه في شهود آيات الله وحكمته، ومعاينة آثار وأنوار عجائب قدرته، فيكون روحانيا، وهو جسمانى وملكوتياً وهو إنسان حيوانى، جامع بين الضدين، غلبت عليه أنوار الروح فأخفت ظلال جسمه ففارق لوازم البشرية استحضاراً، أو مقتضيات الآدمية حضوراً، فقام عاملاً مخلصاً لله بالله، كأنه يرى الله أمامه أو مخلصاً لله محجوباً عن شهود أنه بالله فيكون موقناً أن الله يراه في عمله. وهؤلاء هم العلماء الذين أعنيهم بكلامي.
أمراضهم خفية عن العقول ، غامضة عن النفوس، لأنهم مع كمال الإخلاص يشوب توحيدهم شوب بواعث الهمة على العمل، فيحجبون عن خالص مشاهد التوحيد، إما للعلة الباعثة، أو لعدم تصفية مشهد التوحيد من شوب نسبة العمل لأنفسهم، بشهود المجاهدات منهم وهى أمراض "الخفا" التى تظهر أنها قربات إلى الله وشوق إليه، وحب فيه، وقد يقوى هذا المرض . حتى يدعو إلى شهود الإلهية في العامل من حيث لا يشعر، فيأنس بالعمل، ويطمئن بالعرفان، والأنس بالعمل والطمأنينة بالعرفان شرك أخفى في طريقنا هذا، ومن شغله العرفان عن المعروف، والعمل عمن هو مول وجهه شطره واحتجب بنسبة العمل لنفسه، فهو مشرك في طريقنا، وإن كان من أهل الفردوس الأعلى، ومرض الإلهية أعظم مرض عضال يصاب به العلماء الربانيون.
وقد جعل الله له من أنواع المعالجات أمرها، ومن العقاقير أحدها، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء: 82] . ومن دواء هذا المرض قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ )[المؤمنون: 12]. وقوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى)[الواقعة: 62] . وقوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)[الإنسان: 1-2]
وأهل العلم يعلمون أن الغواية غير الضلال؛ فإن المؤمن قد يغوى ولا يضل، لأن الضلال هو الكفر بالله تعالى، وأما الغواية فهي معصية الله تعالى، شهوداً أو ذوقاً أو وجداً أو علماً أو بالجوارح. وإن من حجبه العلم والمعرفة والعمل والتقوى عن كمال التوحيد الذى هو الجوهر المقصود بالذات لله تعالى غوى . والغواية قد تحصل من الإنسان بالتأويل أو لقصد نيل الخير الذى يظنه قال تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه: 121] .
من أمراض الخفا للعلماء الربانيين
المرض الأول :
الفرح بإقبال الناس سكوناً إليهم من غير ملاحظة ، وقد جعل الله سبحانه لهذا المرض علاجاً للمؤمنين. قال تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)[آل عمران: 14]. وقد خاطب الله رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وأراد بخطابه المؤمنين، وهم من علمت مراقبة لله وخشية منه فقال تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )[النصر: 1].
تناول من هذا الطهور، واسكن بكلك إلى ربك، وافرح بفضل الله وبرحمته، وسبحه ، واستغفر عند إقبال الخلق، ولا تفرح بحالك وعملك ؛ لأن العصمة من الزلل بالله تعالى.
المرض الثانى:
النظر إلى أهل المعصية بعين ملؤها المقت والغضب . وقد جعل الله لهذا المرض دواء، قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا)[فصلت: 33] . وقوله تعالى : (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[النحل: 125] . وقوله تعالى: (رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)[ (الفتح: 29] .
المرض الثالث:
الأنس بما يشهدونه وإن خالف ما عليه الجماعة . وقد جعل الله تعالى لهذا المرض دواء، وهو قوله تعالى : ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً﴾[النور: 63] . وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الحجرات: 2]
المرض الرابع:
استعجال النقمة لمن خالفهم، والكرامة لمن وافقهم، جهلاً بسر القدر، فقد يتوب المخالف فيكون من أكمل أولياء الله، وقد يكون الموافق لهم عدو الله، حفظنا الله من المعاصي ، وقد شفى الله هذا المرض بقوله : (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ)[البقرة: 216]. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ)[الحجرات: 11]. وكم سارع إلى الكفر رجال أظهروا الإيمان، ولم يحصل لهم الأنس بالإيمان، ولم ينالوا مآربهم فارتدوا على أعقابهم. قال تعالى: (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً)[آل عمران :176]. وسر القدر غيب على أهل النفوس الزكية.
المرض الخامس:
الغضب على من لم يقم بالواجب عليه لهم وذلك مما يدسه عليهم عدوهم من أن المقصر في حقهم مقصر في حق رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ والحقيقة غير ذلك؛ فإن ذلك مرض خفي لأن المريد قد يقوم بالواجب عليه لله ولرسوله غير ملاحظ الواجب عليه للعالم؛ لأنه إنما حجبه، ليسارع إلى مرضاة الله ومرضاة رسوله باتباعه وشفاء تلك الأمراض قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)[الحشر: 9] .
المرض السادس:
الغرور بما يهب الله لهم من الفقه والفهم، حتى قد ينظروا إلى من سبقهم بعين المساواة، أو يظنون فيهم التسامح والتساهل، أو عدم الضبط وقد يرمونهم بما لا يليق أن يكون بين المؤمنين. ودواء هذا المرض قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[الحشر: 10]. أقول قولي هذا وأعتقد أنه لا عصمة إلا لرسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ الذي عصمه الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى)[النجم: 3]. وعصمه من الناس بقوله: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)[المائدة: 67].
وأعتقد أن الحكمة الإلهية يهبها الله لمن يشاء، وإن خبر من سلفنا، قد يكون بعصمة من الله وإلهام منه، وكمال إخلاص من العالم لله - تعالى – بالله، ويكون فهمنا عن عجلة وحظ خفي علينا، وشهوة دعا إليها أمل أو طمع. والله يغفر لمن يشاء وهو الغفور الرحيم.
المرض السابع:
ميل نفوسهم إلى مجالسة الأمراء وزيارتهم لدسيسة خفية عليهم، هى أن يكونوا أعواناً للحق فيعظم الداء، ومن جالس جانس وقد عد الله لهذا المرض أنفع الأدوية، وهو قوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)[هود: 113] . وهذه - إن لم تكن كل الأمراض- هى أصولها، التى تتفرع منها كل الأمراض وقد يكون مرض واحد يتفرع منه عدة أمراض، فيجهل الطبيب أصل المرض فيعالج الفروع ويترك الأصل، فيزداد المرض. ولو أن الطبيب اعتنى بالمرض الأصلي، لزالت كل الأمراض الأخرى وشفاه الله.
ثانياً: أمراض الأخفى للعلماء الربانيين
ولهم أمراض أخرى من أمراض الأخفى فوق أمراض الخفا أهمها:
المرض الأول:
اشتغالهم بتربية المريدين، وتعليمهم، فيهملون مجاهدة أنفسهم ورعايتها حق الرعاية، وقد جعل الله دواء هذا المرض في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[المائدة: 105] .
المرض الثانى:
وهو مرض آخر فوق هذه الأمراض، كلها ينتج عن الشوق إلى المفارق، فيخفى على العالم واجب وقته في مرتبة الوجود الذى أقامه الله فيها ، فيأنس بالمفارقة أنساً بنسبة لازم رتبته الكونية، فيحصل له الشوق الشديد، الذى يخرجه عن الوسط ، فيفارق مكانته الإنسانية في كون التكليف بما لاح له من أنوار الملكوت في نفسه وفى الآفاق، وفى السماوات، وفى الأرض، فقد يقع في الفتنة المضلة، أو الضراء المضرة. ودواء هذا المرض قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ)(البقرة: 143). وقوله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ : (اللهم إني أسألك الشوق إليك بغير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة) [النسائى وأحمد] .
المرض الثالث:
وهناك مرض فوق هذا كله، وهو أن ينكشف له نور قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ)[الجاثية: 13] . فتسخر له الكائنات كلها طوعاً لأمره ومسارعة إلى هواه ؛ لأنه بجواذب العواطف الإلهية يتفضل الله عليه فيصير عند ربه، ويمن عليه بأن يجعل له ما يشاء: سر قوله تعالى: (لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ)[الزمر: 34] . فيلتفت لفتة تدعو إليها الرحمة، التى جمله الله بها لعباد الله تعالى ، فيتجاوز حدها إلى حال الغيرة ، التى لا تكون إلا لله تعالى عند انتهاك حرماته ، تنفيذاً على تعدى حدوده بسيف ، أو بسوط الشريعة ، لا بنار الحال وشرار الابتهال ، فيسرع بعامل الغيرة للغضب، وليس بيده سوط، ولا سيف الشريعة، فيكون نظر بعين التقييد في الإطلاق، مع أن الناظر بعين التقييد في الإطلاق، قد ينظر بعين الإطلاق في التقييد فيما يلائمه، فيكون انحط عن الرتبة العلية وقد داوى الله هذا المرض بقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف: 199] .

ثالثاً: من الأمراض الظاهرة لعلماء الدنيا الجهلاء بالآخرة
المرض الأول:
أن الرجل منهم إذا أخطأ في حكم، وفشا بين الناس، وعورض فيه، كره أن يخضع للحق، وقام مجادلاً بالباطل، ينصر نفسه على الحق، غير مبال بسخط الله وغضبه، إذا أقام الحجة على خصمه أنه محق ورضى الخلق عنه، فيكون أبطل الحق، وأحق الباطل، خوفاً على نفسه من الفضيحة بين الناس، ولو أنه عالم كما يدعى لأعلن خطأه وغلطه بين العالم، ليرضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم غير ميال بالخلق، فإن الإنسان محل النسيان. ومن كبرت نفسه أن يرجع للحق بعد الخطأ أقام الحجة أنه من أهل جهنم .أعاذنا الله من سوء الأدب مع الله تعالى، ومن تعظيم الخلق في جانب الحق حتى يكره أن يحتقر أمامهم فيتمادى على الباطل. وقد داوى الله هذا المرض بقوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ)[الأحزاب: 39] . ومعلوم أننا مكلفون باتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وقال تعالى مداوياً هذا المرض العضال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ)[الصف: 7]. وقال تعالى في أنفع الدواء لهذا الداء: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[المائدة: 45]. وقال تعالى مثنياً على أهل مقام الخوف: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)[الرحمن: 46] .
فالعالم الذي يخطيء في الحكم ثم يذكر بالحق فيأبى أن يخشع الحق، خوفاً من أن يشاع عنه الخطأ بين الناس فيستحقر، كان من الذين شنع الله عليهم بقوله تعالى : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ)[النساء: 108]. ومثل هذا عند العلماء بالله تعالى أدنى من الجهلاء، لأن هذا من أكبر أمراض المنافقين ولو أن مدعى العلم صدق الله تعالى فيما أخبرنا به من يوم القيامة ومن الوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، ومن أن الإنسان إما إلى جنة وإما إلى نار، لذاب قلبه خشية من الله تعالى أن يرضى الناس ويغضبه وأن يخشى الناس ولا يخشاه، وأن يحب المنزلة عند الناس بسقوطه من عين الله تعالى أعوذ بالله من الذنوب التى تغير النعم، ومن الذنوب التي توجب النقم، ومن الذنوب التى تهتك الحرم، ومن الذنوب التى تديل الأعداء، ومن الذنوب التى تحبس غيث السماء.
المرض الثاني :
المرض الثانى تأويل الأحكام بما يناسب هوى الخلق، والعمل بالرخص لجلب الأموال، وميل القلوب إليهم خصوصاً فيما يتعلق بالطلاق والميراث والمعاملات، فترى الرجل منهم يفتى بغير ما أنزل الله تعالى، اجتراء على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليكتسب مالاً، أو شهرة، أو منزلة في قلوب الأمراء، وقد ضرب مالك بن أنس وأهين ليفتى أن طلاق المكره يقع عليه فأبى، وضرب أبو حنيفة رحمه الله تعالى لتولي القضاة فأبى ، وكان الرجل يسأل أحد الصحابة عن المسألة المعلومة لأقل صحابى فيرده إلى غيره حتى يرجع إلى المسئول الأول ؛ لأنهم - رضى الله عنهم- يعلمون الناس بقول "لا أدري"، حتى يقتدي بهم من بعدهم ، وكان إذا سئل أحدهم عن الفتيا يرد السائل إلى الأمير، ليكون خاملاً بين الناس، وإنما يتعلم العلم ليعمل الإنسان به في نفسه، حتي يكمل نفسه بالعلم والعمل، وهذا المرض داواه الله تعالى بقوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ)[المائدة: 13]. وهؤلاء هم الذين يكذبون على الله تعالى وعلى رسوله متعمدين الكذب قال صلى الله عليه وآله وسلم : (من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)[البخارى] ومن أفتى بحكم عالما أنه برأيه وحظه ليس له مأخذ من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا من سنة الهداة المهتدين، فهو من المتعمدين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
المرض الثالث:
إهمال العناية بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأئمة الهدى، وضياع الأنفاس النفيسة، والأعمار الطويلة، في خدمة كتب أهل الجدل، والمناظرة، والفرق المختلفة من المتكلمين، مما يثير ثائرة الأخلاق ويفسد العقائد، ويمزق الجماعة، ويكثر الخلاف بين المسلمين . هذا الداء عضال جداً لأنه أذهب نور الإيمان من القلوب، ومحا لين الأعضاء لعبادة الله فتراهم -هم وتلاميذهم- يمضون سواد الليل، وبياض النهار في فهم الأقيسة، والنفي والإثبات والسلب والإيجاب، وجعلوا المواضيع التى يمرنون عليها نفوسهم صفات الله تعالى، كما يتمرن المتعلمون بحفظ أراجيز الجاهلية وقصائدهم، ليطبقوا عليها القواعد النحوية والصرفية تقوية لاستقامة ألسنتهم، حتى صارت العقائد الدينية كالمسائل الحسابية والهندسية، التى تعطى للتلاميذ ليشحذوا بها قواهم الفكرية ضبطاً للقواعد.
أدى هذا المرض - والعياذ بالله تعالى- إلى سوء الأدب، فصار من السهل عندهم أن يوردوا الاعتراضات على الصفات الإلهية، وعلى الكلام الإلهي وعلى عمل القدرة الإلهية، ولا يصدر هذا الاعتراض والانتقاد من قلب فيه خشية لله تعالى ، وتراهم مع هذا كله يجعلون هذا الجهل علماً ، وتلك البدع المضلة عملاً ، ويقررونه في المجتمعات أمام النشيء من طلبة العلم حق يملأ قلوبهم استهانة بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإنكاراً على آيات الله تعالى التى أجراها على أيدي رسله وأوليائه حتى بلغ منهم سوء الأدب أن أحدهم إذا قال له خصمه : قال الله أو قال رسول الله أو فلان الفلاني قال له تكلم معي بالعقل . ومن أراد أن يظهر التقوى خوفاً على نفسه من تشنيع العامة أوّل الآية أو الحديث إلى ما يلائم حظه وهواه، غير هياب من الله تعالى، ولا وجل من لقاء الله، وقد انتشر هذا المرض حتى عم أكثر طلبة العلم، إلا من عصمهم الله، وقليل ما هم ، وصارت تلك البدع المضلة هى السنة عندهم، وأن اختيار العلماء لرفعة شأنهم بين الأمة لا يكون إلا بإتقان تلك البدع، حتى كأن السنن الماضية للإسلام والمآخذ الحقة لأحكامه نسخت بأفكارهم والله تعالى يقول: (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)[الأحزاب: 40] . ومعنى ذلك أن شريعته لا تنسخ أبدا ، فمن ابتدع بدعة سيئة في دين الله كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وقد داوى الله هذا المرض العضال بقوله تعالى : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)[الفرقان: 30] . وقوله تعالى : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)[الإسراء: 45-46] .
كل مؤمن يعلم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معه، ولو كان في القرن العشرين أو أكثر، لأن المراد من الرسول الكتاب والسنة. ومن استظهر على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلك الآيات تجره بذيلها إليها ، فإن من خالف رسول الله في حياته المحمدية ، ومن خالفه بعد عشرين قرناً ، سواء عند الله تعالى، وإنما هى نفوس شريرة أعدت للضلال والإضلال . أعاذنا الله من أهل الشر وقد شنع الله بقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)[المنافقون: 4] .
أمراض التجار :
ذكر الإمام أبو العزائم أن التجار أمناء الله في أرضه، والجالبون الخير لعباده ، وكنوز المسلمين عند الحاجة ، وحصونهم عند الداعي ، يجلبون لهم النافع من الميرة والذخيرة وضروريات الحياة وكمالياتها مما أباحه الله سبحانه ، ويصدّرون ما زاد عنهم إلي البلاد الأخري لتنمية أموالهم ، وأنهم رواد الإسلام وناشروا أنواره بين الأمم الذين لهم يهدهم الله لدينه . بهم تنتشر فضائل الإسلام وتحمي ثغوره وتعلم كمالاته بما جملهم الله به من الصدق والأمانة والوفاء ، وما منحهم الله من الحب لدينه والرغبة في تذكير الخلق لفضائله . وبهم يعلم أمراء المسلمين أسرار داخلية الأمم الأخري وعوائدهم وأخلاقهم والوجوه التى يؤلفهم بها الأمير أو يفاجئهم.
وتنحصر الأمراض التى تصيب نفوسهم فى أن يشغلهم حظ العاجلة عما أوجبه الله عليهم من الحقوق فيبدلوا الوفاء بالغدر ، والأمانة بالخيانة ، والصدق بالكذب ، والنصيحة بالغش ، والاشتغال بنشر فضائل الدين بحب غير المسلمين ومدحهم ، فيسلب الله البركة من أيدي من يتصفون بتلك الصفات ويذهب الصناعة من بلادهم ، ويجعل ذلك في أيدي أعدائهم تعجيلا للعقوبة منهم في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقي . ولعلاج تلك الأمراض لابد للتجار أن يسترجعوا مجدهم القديم ، وأن يعاهدوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوموا بالواجب عليهم لإخوانهم المسلمين ، وأن يجعلوا التجارة تجارة رابحة لن تبور ينالون بها سعادة الدنيا والآخرة ، ولا يكون ذلك إلا بالاخلاص لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والنصح لخاصة المسلمين وعامتهم والعمل لتقوية سلطان المسلمين ، والله سبحانه يجملنا بواسع فضله ويمنحنا الهداية إلي الصراط المستقيم فإذا كانت هكذا تجارتهم كانت بيعهم لله وشرائهم لله وحياتهم لله فيتاجرون مع الله ويتحققوا بقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)[الصف :10 -11] .
أمراض الصناع :
وصف الإمام أبو العزائم الصناع فقال : (أنتم الأيدى العاملة لخير المسلمين . أبدانكم متعبة لسعادتهم ، وأفكاركم مشغولة لراحتهم ينامون وأنتم تسهرون ، ويستريحون وأنتم تتعبون ، ويفرحون بالرياسات والفتوحات والغنائم وأنتم في أعمالكم دائبون ، ولو تفكر السلطان علي سريره والأمير علي منصته والوالي علي رعيته والتاجر في بهجته والمزارع في روضته والمسافر في البر والبحر في راحته ، والعالم بين كتابه ومحبرته ، والمثري في شاهق قصره ، لتحقق أن تلك النعمة أنعم الله بها علي الكل علي يدك أيها الصانع المسكين ، تتعب فكرك لتخترع ما به راحة أمتك وإعلاء كلمة ربك وإحياء سنة نبيك ونمو ثروة إخوانك ، وتتعب يديك وبدنك لتقيهم ضرر الحر والبرد ، فأنت ولا شك نعمة الله علي المسلمين لخير الدنيا والآخرة . أحل الرزق رزقك وأطيب الطعام طعامك ، سيأتى عليك يوم يخاف الناس وأنت آمن ، ويحزن الناس وأنت فرح ، ويعذب الناس وأنت متنعم ، ولا يكون ذلك إلا إذا أسهرت طرفك فيما نَفْعُهُ عامُّ وخيرُه عامّ للدين والدنيا مما به قوة السلطان وضعف الأعداء وثروة الإخوان وراحة الأبدان .
وتنحصر أمراض نفوس الصناع فى الإهمال فى العمل والتهاون بإتقانه وهذا يذهب عزة المسلمين ويمكن منهم أعدائهم ، ويجعل المسلمين يرغبون فى صنائع أعدائهم فيحبونهم ويقلدونهم ويرغبون فيهم ، فيكون ذلك ضياعا لسلطان المسلمين ولأموالهم وفساداً في الدين .
ولعلاج تلك الأمراض خاطب الإمام أبو العزائم الصناع فقال : (فأتقن عملك وانصح ، واجتهد أن ترغب إخوانك في صنائع بلادهم بما تخترعه وما تتقنه والله ولي وولُّيك وهو حسبي ونعم الوكيل . و كما أقامك الله عاملاً به حفظ ثغور المسلمين وطيب حياتهم ، فاجعل لك أيها الصانع وقتا تشكر فيه ربك علي ما من عليك به من الأعمال النافعة لجميع إخوانك المسلمين ، وتجالس فيه أهل العلم والتقوي لتنال سعادة الدنيا والآخرة . ولكنك يا أخي إذا كنت بياض نهارك بين الصناع ، وفي وقت فضائك في مجتمعات اللهو والغفلة أو مع زوجتك وأولادك ، ولم تجالس العلماء وأهل التقوي الذين تتعلم منهم الإخلاص في العمل وحسن النية في أعمال الدنيا لله رب العالمين حتى تكون صناعتك التى تعملها للدنيا نافعة لك يوم القيامة فتفوز بسعادة الدنيا والآخرة جميعاً ، كانت تلك المنافع العامة التى تقدمها لجماعة المسلمين لا أجر لها يوم القيامة . لأن ثواب يوم القيامة إنما يكون لعمل قصد به وجه الله تعالي ، ولا يقصد العامل وجه الله تعالي إلا إذا كان عالماً والله سبحانه وتعالي يمنح الصناع الرغبة في العلم النافع) .
أمراض المزراعين :
بين الإمام أبو العزائم وظيفة المزارعين التى أقامهم الله فيها وأمنهم عليها فقال : (أيها الفلاح أنت الذي يخرج الله علي يدك خبايا الأرض وخفي كنوزها مما به غذاء الأبدان الحية وما به الأثاث والزينة والرياش . أقامك الله مقام العامل لنفع الكائنات الحية من أنواع النباتات والحيوانات ، ولولاك أيها المسكين لجاعت الأبدان وفترت الأفكار . فما من زينة ظهرت ولا آلة اخترعت ولا أمن استتب ولا معارف ولا علوم نشرت ولا فنون شهرت ولا مساجد شيدت لعبادة الله ولا لذة فرح بها إلا بعد الراحة من الجوع والعري ، ولا راحة منهما إلا بعملك الذي أقامك الله فيه وأمدك بالقوة المعينة لك عليه ، فأنت مصدر كل خير وراحة وهناءة لجماعة المسلمين ، إذا قمت بواجبك حق قيامك توفرت العدة والعدد وتجددت سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعمرت مساجد الله سبحانه وتعالي وكثر شاكروه وذاكروه سبحانه . أقامك الله في عمل يشهد فيه العامل آثار قدرة القادر وآيات حكمة الحكيم ، تقوم يا أخي فتشق الأرض فيصب الله الماء صبا إما من السماء أو من الأنهار أو من العيون ، ثم تتوجه إلى بيتك وقد وضعت حبة من الجماد ميتة في أرض ميتة ولا قدرة لك علي غير ذلك ، فتصبح يا أخي فتري الأرض اهتزت وربت واكتست بحلة سندسية ونما نباتها وأزهر ، تشهد ذلك صباح مساء ، وتشاهد من غرائب صنع ربك سبحانه وآثار رحمته ما لا يشهده غيرك من بني الإنسان) .
وأمراض نفوس المزارع تتمثل فى أن يدعي أنه زرع وتعب وعمل وعمل ، وأن يبخل بحقوق الله ويدعي أن ذلك ملكه جهلاً منه بالواجب عليه لربه المنعم ، ونسيانا بوصايا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الرءوف الرحيم عليه . ينتج من ذلك ما يراه بعينه ، يري الحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فكأن ربحه في الواحدة سبعمائة ، ولكن البركة نزعت من العمل ، فكأنه مع شهوده تلك البركات والخيرات لم يعمل شيئاً ، وذلك لأنه يسهر الليل والنهار في العمل الشاق ولا يعود لأهله إلا بالخشن من اللباس والردىء من الطعام .
ومن الأمراض التى يعتريه أنه مع أنه يشهد آثار قدرة ربه وبديع صنعه وغريب آياته ليتذكر فيذكر ويشكر ، لكنه ينسي ويغفل وينسب كل ذلك إما له أو للحاكم الذي أعانه بالماء أو الجسور . فيضيع الوقت في شكر الحاكم وذكره .
ومن الأمراض التى تصيب المزارع أن يضر زراعة جاره لينفع زراعته ، ويضيق أرض جاره لتوسع أرضه ، ويحرم الورثة من الميراث لتكثر أطيانه ، ويحزن الناس بسلب أموالهم وظلمهم ، لذاك تري الفلاح الذي يعمل هذه الأعمال شقي الجسم والفكر في الدنيا .
ولعلاج تلك الأمراض أن يتوب المزارع إلى الله من تلك الأعمال وينتبه ويحذر أن ينتج نسيانه ربه إمساك السماء ماءها والأرض نباتها ، وتنتشر جنود ربه في المزروعات فتفسدها وفى الأنهار فتغيرها ، فإن الله غيور أن يهب نعمته لعبد يشكر غيره أو يمن علي عبد يذكر غيره . فهل الحاكم أجري الأنهار وأنزل تلك الأمطار وأوجد الأرض خصبة سهلة ؟! فإن تاب وأقلع وأصلح عملا تاب الله عليه وسعد في الدنيا والآخرة . وإن دام علي ذلك فلا يعلم عاقبة أمره في الآخرة إلا الله تعالي . فتنبه أيها الفلاح الذي جعله الله مصدراً للخيرات ويداً عاملة لجلب المسرات ودفع المضرات إلي مقامك في الوجود ، ومنـزلتك بين إخوانك واشكر ربك على ما أولاك يبارك لك ويتولاك ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
حقيقة تزكية النفوس
بين الإمام أبو العزائم حقيقة التزكية التى أمرنا الله بها وحثنا عليها بقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)[الأعلى: 14]. وقوله سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)[الشمس: 9]. فقال : لا تكمل تزكية النفس حتى يعلم حق العلم أنها مفطورة على فطر، اقتضتها قواها التى ركب الإنسان منها، فالإنسان جامع لكل الحقائق الكونية ، فهو وإن كان عالماً صغيراً، إلا أنه جمع جميع العالم، وزاد عليه، فهو مركب من الجماد، والنبات، والحيوان، والقوة الملكية، والقوة الإبليسية، وقد جعل الله تلك القوى وإن كانت متفرقة متحدة، فجماعها الإنسان، ومتى تحقق من يريد تزكية نفسه أنه جامع لكل تلك الحقائق، علم حق العلم أن أكثر قواه سفلى المصدر، سيىء العمل، أو نارى المصدر، شرير العمل، أو نورانى المصدر، خير العمل، أو نفخة القدس، وكل تلك القوى يقال لها إنسان فإن لم تنكشف للإنسان تلك الحقائق جلية حتى تكون كل قواه خاضعة للروح الملكية، أو للنفخة القدسية، هلك الإنسان. وإذا علم الإنسان حقيقته، علم مرتبته في الوجود وعرف ربه معرفة تجعله يخشاه بقدر علمه، ويخاف مقامه بقدر شهوده ويجاهد نفسه في كل أنفاسه، فلا يفخر ولو أجلسه الله على بساط مؤانسته، ولا يغتر ولو منحة كلمة (كن) للتصريف في كونه، ولا يخرج عن الوسط، فيهدم بقية القوى بترك رعايتها حق الرعاية، كما قال رسول﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)[البخارى] وكما قال الله تعالى : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[البقرة: 143] وإنما رفع الله الإنسان إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأجلس الإنسان على كرسي من نور، قدام عرشه، وواجهه بوجهه؛ لما جمع فيه من القوى المتضادة، والعناصر المفارقة، وأظهر فيه من لطائف ملكوته، وأنوار لاهوته وغرائب قدرته، وعجائب حكمته، ثم هداه السبيل، وأقبل به عليه بمعونته وتوفيقه ولو كان روحاً مجردة، لما رفعه هذه الرفعة، أو جسماً مجرداً، لما أكرمه هذه الكرامة. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[الإسراء: 70] . وقال سبحانه: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)[الجاثية: 13] .
وشتان بين تزكية النفوس عند أهل الإيمان وغيرهم ، إنما يسارع لتزكية النفس أهل الإيمان بالله -جل جلاله- دون غيرهم وإن اجتهد غيرهم في تزكية النفوس، فإنما يريدون بتزكيتها تحصيل غايات فانية، ورياسات زائلة، وحظوظ دنيئة، كما يسارع الإنسان إلى تزكية نفوس البهائم، لتعيش داجنة، عاملة لخيرها، ولخير بنى الإنسان، ولذلك فإنهم التفتوا عن مناهج التزكية الحقيقية، التى بها يصفو جوهر النفس مما كدر صفوه، من أمراض الجمادات والنباتات والحيوانات والحظوظ الإبليسية، حتى تتخلى عن ملابسة الحظوظ والأهواء التى تحجبها عن المسارعة إلى القيام بما خلقت له، وعن تحصيل العلم النافع من مآخذه الحقيقية، وعن العمل الصالح الذي يكون به المؤمن في معية الله تعالى، مجملاً بالعقيدة الحقة، والأخلاق الربانية، والأحوال السنية، والأعمال السنية.
مجاهدة النفس بالرفق والتدريج :
و اعلم أنه يجب أن تكون المجاهدة والرياضة بالتنقل والتدريج والرفق بالنفس شيئاً فشيئاً ، ولا يهجم عليها بما يشق عليها من الأعمال فتنفر منه نفورا شديدا يخشي منه الترك والخروج بالكلية ، فيجب الرفق بها إلى أن تتعود ذلك . وهذا هو الذي نبه عليه الصلاة والسلام بقوله :﴿ إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ﴾ .
فإذا أراد المجاهدة نقل نفسه عن عوائدها المذمومة إلى المحمودة ، فليمنعها من الفعل المذموم ، وليذكرها ما ورد من الوعيد علي فعل المذموم والوعد علي فعل المحمود ، فإن ثقل عليه ذلك قطع عنها لذاتها الناجزة وداوى نفسه بترك الشهوات العاجلة ، ومن عزم علي تحصيل مقام السخاء مثلا فطريقه إلزام نفسه القيام بإخراج الواجب من الزكاة والنذور والكفارات ونفقة الأب والأولاد الصغار والزوجة وغيرهم من العيال ، فإذا قام بذلك بسهولة عوَّد نفسه الإنفاق في المندوب . وإذا وصل إلى ذلك آثر علي نفسه ذوي الحاجات ، ثم ينتقل إلى الزهد في حظوظ نفسه في الترفه والراحات . فهذه طريق المجاهدة والرياضة يُدَرِّج العبد نفسه في سلوك الطريق إلى مولاه مع الرفق بنفسه . والانقطاع إلى الأعمال دفعة وإخراج ما في اليد دفعة واحدة منهىُّ عنه ، فإن قيل ان الصدِّيق رضي الله عنه أتى بجميع ماله إلى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] ليخرجه في سبيل الله ، قلنا : ذلك لأن الحاجة كانت إليه متأكدة إذ كان ذلك وقت فاقة وضرورة وبالمسلمين حاجة إليه ، وأيضاً فإن الصدِّيق كان عنده من الوثوق والصبر واليقين بالله تعالي ما ليس عند غيره . ولا بأس أيضاً بأن يرقّع المجاهدة لنفسه بالعبادة بشئ من المباحات لِيَقْوَى بذلك علي الطاعات ، وينتفي عنه الملل ويزول عنه السأم . قال الإمام على عليه السلام : ﴿ روحوا النفوس فإنها إذا كرهت عميت ﴾ والشريعة جاءت بمداواة النفوس المريضة وتطبيب القلوب المعلومة .

هِيَ ٱلنَّفْسُ إِنْ زَكَّيْتَهَا تَشْهَدِ ٱلْغَيْبَا يَلُوحُ لَهَا لاَ سَتْرَ ثَمَّ وَلاَ حَجْبَا
تُجَمَّلُ بِٱلأَسْرَارِ يُجْلَىٰ لَهَا ٱلْخَفَا تُشَاهِدُ أَنْوَارَ ٱلتَّجَلِّي تَرَى ٱلرَّبَّا
وَقَدْ أَفْلَحَتْ نَفْسٌ تَزَكَّتْ فَوُوجِهَتْ بِوَجْهٍ عَلَىٍّ قَدْ أَضَاءَ وَلاَ رَيْبَا
أَضَاءَتْ لَهَا ٱلأَسْمَاءُ فِي أُفْقِ هَيْكَلٍ فَنَاوَلَهَا ٱلرَّاحَ ٱلطَّهُورَ وَلاَ شَوْبَا
هِيَ ٱلنَّفْسُ لَوْ تَزْكُو مِنَ ٱلْحَظِّ لَحْظَةً لَهَا تَسْجُدُ ٱلأَمْلاَكُ قَدْ تَشْهَدُ ٱلْغَيْبَا
هِيَ ٱلنَّفْسُ رُوحُ ٱلْقُدْسٍ تُنْفَخُ بِٱلصَّفَا فَتَظْهَرُ أَنْوَارُ ٱلْغُيُوبِ لِمَنْ لبَّىٰ
وَفِي طِينَةٍ نُفِخَتْ فَلاَحَ ضِيَاؤُهَا فَطَافَتْ بِهَا ٱلأَمْلاَكُ وُهَبَ لَهَا ٱلْحُبَّا
أَيَانَفْسُ لَوْ تَزْكِينَ مِنْ شَوْبِ بَاطِلٍ تَفُوزِينَ بِٱلإِقْبَالِ يَمْنَحُكِ ٱلْقُرْبَا
فَفِي أَحْسَنِ ٱلتَّقْوِيـمِ قَدْ كُنْتِ أَوَّلاً جَمَالَ جَمِيلٍ وَٱلْكِتَابُ لَنَا أَنْبَا
صَلاَةً عَلَىٰ نُورِ ٱلْقُلُوبِ مُحَمَّدٍ بِهَا نُعْطَ فَضْلَ ٱللَّهِ وَٱلْقُرْبَ وَٱلْحُبَّا

محاسبة النفس:
لا يفوتنك مقام الورعين ولا تبن عن حال التائبين ، وهو أن تجعل لك وردين فى اليوم والليلة لمحاسبة النفس ومواقفتها مرة بعد صلاة الضحى لما مضى من ليلتك ، وما سلف من غفلتك ، فإن رأيت نعمة شكرت الله ، وإن رأيت بلية استغفرت الله ، فإن وجدت فى حالك أوصاف المؤمنين التى وصفهم الله عز وجل ومدحهم عليها، رجوت وطمعت واستبشرت، وإن وجدت من قلبك وحالك وصفاً من أوصاف المنافقين، أو خلقاً من أخلاق الجاهلين التى ذمهم الله عز وجل بها، ومقتهم عليها، حزنت وأشفقت وتبت من ذلك واستغفرت.
والمرة الثانية أن تحاسب نفسك بعد الوتر وقبل النوم، لما مضى من يومك من طول غفلتك، وسوء معاملتك، وما فعلته من أعمالك، كيف فعلتها، ولمن فعلتها، وما تركته من سكوتك وصمتك، لم تركته، ولمن تركته، فتتفقد الزيادة والنقصان، وتعرف بذلك التكلف والإخلاص من حركتك وسكونك، فما تحركت فيه وسكنت لأجل الله عز وجل به فهو الإخلاص، ثوابك فيه على الله عز وجل، عند مرجعك إليه، فاعمل فى الشكر على نعمة التوفيق وحسن العصمة فى التهلكة . وما سكنت فيه أو تحركت لهواك وعاجل دنياك فهو التكلف الذى أخبر رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] : (أنه هو والأتقياء من أمته براء من التكلف). وقد استوجبت فيه العقاب عند نشر الحساب ، إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب فاعمل حينئذ فى الاستغفار بعد حسن التوبة ، وجميل الاعتذار، وخف أن يكون قد وكلك إلى نفسك فتهلك، فلعل مشاهدة هذين المعنيين من خوف ما سلف منك، والطمع فى قبول ما أسلفت يمنعك من المنام، ويطـرد عنك الغفلة، فلتحى ليلتك بالقيام، فتكون ممن وصف الله عز وجل فى قوله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾[السجدة : 16] ،وقد قال بعض السلف: كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه.
وقد قال بعض العلماء: من علامة المقت أن يكون العبد ذاكراً لعيوب غيره، ناسياً عيوب نفسه، ماقتاً للناس على الظن، محباً لنفسه على اليقين، وترك محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عز وجل، والغافلون فى الدنيا هم الخاسرون فى العقبى، لأن العاقبة للمتقين، قال الله عز وجل، ﴿ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ ﴾[النحل :109]. وطول الغفلة من العبد على طبائع القلب فقد المعبود، والغفلة فى الظاهر غلاف القلب فى الباطن تقول العرب : غفلة وغلفة بمعنى كما تقول جذب وجبذ، وخشاف وخفاش، وطبائع القلب على ترادف الذنب بعضه فوق بعض وهو الران الذى يتعقب الكسب فيكون عقوبة له، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[المطففين :14]. قيل: المكاسب الخبيثة وأكل الحرام، وفى التفسير هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب وأصل الرينة الميل والغلبة وهو التغطية أيضاً، يقال: ران عليه النعاس إذا غلبه، ورانت الخمر على عقله أى غطته.
وأصل ترادف الذنوب من إغفال المراقبة، وإهمال المحاسبة، وتأخير التوبة، والتسويف بالاستقامة، وترك الاستغفار والندم، وأصل ذلك كله هو حب الدنيا وإيثارها على أمر الله عز وجل وغلبة الهوى على القلب، ألم تسمع إلى قوله عز وجل: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾( ). إلى قوله عز وجل: ﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾( ). وقال فى دليل الخطاب : ﴿ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾( ). يعنى إيثار الدنيا، لأن صريح الكلام، وقع فى وصفهم بالطغيان، وإيثار الحياة الدنيا ثم قال : ﴿ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ ﴾( ). فاتباع الهوى عن طبائع القلب وطبائع القلب عن عقوبة الذنب وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب، أما سمعته يقول: ﴿ لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾( ). وقد جعل الإمام علي عليه السلام الغفلة مقاماً من مقامات الكفر، فقال فى حديثه الطويل : (فقام إليه سلمان فقال : أخبرنا عن الكفر على ما بنى؟ فقال : على أربع مقامات، على الشك والجفاء والغفلة والعمى، فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملك للعبد، وهو سمع القلب، لأن طول الغفلة يصمه عن السمع، وعدم سماع الكلام من الملك عقوبة الخطايا ، وتثبيت الملك للعبد على الخير والطاعة وحى من الله عز وجل إليهم، وتفضيل للعبد، أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾( ). وفى الخبر: (أن آدم عليه السلام حجب عن سماع كلام الملائكة فاستوحش بذلك، فقال: يا رب مالى لا أسمع كلام الملائكة، فقال خطيئتك يا آدم). فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم يفهم كلام الملك، وإذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم : ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾( ).
حقيقة التهذيب :
قال الله تعالى : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[الشمس : 70-10]. وقال سبحانه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى)[الأعلى: 14]. وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[البقرة: 222] . وقال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الطويل : (ألا وإن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله. ألا وهى القلب.. ألا وهى القلب) [البخارى]. وقال : (ألا أخبركم بأحبكم إلىّ وأقربكم منى مجالس يوم القيامة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون) [البخارىومسلم]. وقال : (أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك) [البيهقى].
والتهذيب مجاهدة النفس حتى تتخلى عن الرذائل التى فطرت عليها، والحظوظ الخفية عنها، والأهواء الباعثة لها على تعدى حدود الله تعالى، فبغية كل مؤمن كامل، أن يفوز بفضل الله العظيم، ورضوانه الأكبر، وهى حلل الجمال التى يتفضل الله بها على العبد المؤمن، بخالص المنة، بعد التخلي من ميول النفس ورعوناتها، وحظها وهواها، وبعد توقى شحها، وتطهيرها من لقسها.

وإنما يحتاج السالك لتهذيب نفسه ومعالجة أمراضها وتزكيتها إلى طيب عالم بتلك الأمراض وسبل تزكيتها ، عارف بربه وهو الذى سماه المولى سبحانه فى المصطلح القرآنى الولى المرشد والخبير كما قال تعالى : (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)[الفرقان:59] وقال تعالى : (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا)[الكهف : 17] .
وسوف نفصل الحكمة من التهذيب على يد المرشد واحتياج السالك إليه فى التزكية وما يلزم السالك من آداب فى صحبة ذلك الولى المرشد ، وما هى صفات ذلك الولى المرشد والخبير القرآنى .
نسأل الله تعالى أن يزكى نفوسنا ويطهر قلوبنا ويبلغنا مقام المعرفة إنه قريب مجيب الدعاء
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلمم تسليما كثيرا

السيد أحمد علاء الدين ماضى أبو العزائم

Read 104 times
Login to post comments

 

  الإسلام وطن هو الموقع الرسمى الوحيد للطريقة العزمية ، ويمكنك التواصل معنا عبر الوسائل التالية .

صور

Template Settings

Theme Colors

Cyan Red Green Oranges Teal

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…