All for Joomla All for Webmasters

نشأة التصوف

Rate this item
(0 votes)

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفا فكريا وشذوذا أخلاقيا باسم الدين - والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛

والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقا رفيعا وقيما جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.
تعريف التصوف:
للتصوف تعاريف كثيرة منها قول ابن عجيبة رضي الله عنه: "التصوف صدق التوجه إلى الله بما يرضاه ومن حيث يرضاه"، وقال أيضاً: "التصوف علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وتصفية القلوب من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل"، ولقد كادت كتب التصوف تجمع على أنه: "صدق التوجه المشروط برضا الله سبحانه وتعالى".
ومما قيل عن التصوف أنه:
مراقبة الأحوال، ولزوم الأدب فى كل حال.
أوله علم، وأوسطه عمل، وآخره موهبة، فالعلم يكشف عن المراد، والعمل يعين على المطلوب، والموهبة تبلغ غاية الأمل.
ونسب الهجويري قولا للإمام محمد الباقر عليه السلام : "التصوف خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في التصوف".
ويقول الإمام أبو العزائم رضي الله عنه عن كلمة: التصوف: "هذه الكلمة مأخوذة من الصفاء، فالصوفي مَن جاهد نفسه في ذات الله بتوفيق الله حتى صفا قلبه ووقته وحاله، فصافاه الله تعالى، فسمي صوفيًّا".
ويقول أيضا : "التصوف عطر للنفس يزكيها، وشعاع للرُّوح يلطفها، ونفحات للحس يرهفه، وومضات للعقل يضيئه ويهديه، وهو الغذاء الرُّوحي لكل نفس، والقبس الإلهي المضيء لكل قلب، والخصيصة الإنسانية التي استجابت لآدم وتاب من معصيته فتاب الله عليه، جاءت رسالات الله إلى الخَلْق بمنهاجه، وانجلت عمايات النفوس بنوره، ورسمت المثل العليا بنبضات أنفاسه، وخطوات رجاله.
والتصوف عطر النفس الزكية، وشعاع الرُّوح العلوي، يشرق على الحس فيزكيه، وعلى العقل فيضيئه، وإلى الشهوة فيهدئها، هو الرُّوح للنفس، والقبس الإلهي للقلب، والخصيصة التي يمتاز بها الإنسان عن بقية العوالم، وما أسعد الإنسانية إذا أشرقت الأرض بنور ربها وتنسمت النفس عبير طيب التصوف العبق، وشربت من راح المعرفة الإلهية الطهور".
التصوف كعلم:
التصوف علم يعرف منه أحوال النفس في الخير والشر، وكيفية تنقيتها من عيوبها وآفاتها، وتطهرها من الصفات المذمومة، والرذائل والنجاسات المعنوية التي ورد الشرع باجتنابها، والاتصاف بالصفات المحمودة وهي الصفات التي طلب الشرع تحصيلها، وكيفية السلوك والسير إلى الله تعالى والفرار إليه.
وهو علم الباطن وعلم طريق الآخرة، والباطن: أعني القلب من ناحية ما يعرض له من اللمحات، والخواطر، والهواجس، والوساوس، والعلوم، والنيات، والقصود، والعزائم، والاعتقادات، وحديث النفس، وغير ذلك، فمسائل هذا العلم: الأحكام المتعلقة بهذه الخواطر، والهواجس، والنيات، والقصود، والعزائم ، وسائر أحوال النفس.
وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو العلم الذي لم يبعث الله الأنبياء إلا لأجله، وقد سماه الله تعالى في كتابه فقهًا وعلمًا وضياءً ونورًا وهدى ورشدًا، وهو مستخرج من الكتاب والسنة، ومدلول عليه منهما نصًّا وتصريحًا وتلويحًا وكتابةً وإشارةً، وغير ذلك من أصناف الدلالة.
فأول التصوف علم، وأوسطه عمل، وآخره موهبة، فالعلم يكشف عـن المراد، والعمل يعين على المطلوب، والموهبة تبلغ غاية الأمل.
والتصوف له ظاهر وباطن، فظاهره: استعمال الأدب مع الخلق بالأخلاق الحسنة معهم، وباطنه: منازلة الأحوال والمقامات مع الحق، فالظاهر علامة الباطن، والباطن حقيقة الظاهر، ألا ترى لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما نظر إلى المصلِّي وهو يعبث فقال: (لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحُه) "الترمذي"، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) "الحجرات:3".
والتصوف علم إذا سلكتَ طريقَه أماتك الحقُّ عنك، وأحياك به، والصوفي دائم التصفية، يصفي الأوقات من شوب الأكدار بتصفية القلب من شوب النفس، والصوفي مع الحق بلا خَلْق، ومع الخَلْق بلا نَفْس، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) "المائدة: 8"، وهذه القوامة لله على النفس هي التحقق بالتعرف.
علم الباطن:
قال الإمام الغزالى: علم الباطن هو علم يقين المقربين، وثمرته الفوز برضا الله تعالى ونيل سعادة الأبد، وتزكية النفس وتطهيرها، وتنوير القلب وصفاؤه بحيث يكشف بذلك النور أموراً جليلة، ويشهد أحوالاً عجيبة، ويعاين ما عميت عنه بصيرة غيره من المعرفـة الحقيقية بذات الله تعالى، وبصفات الله التامات وبأفعاله وحكمته في خلق الدنيا والآخرة، والمعرفة بمعنى النبوة والنبيّ، ومعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة، والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملَك للأنبياء، وكيفية الوحي والمعرفة بملكوت السموات والأرض، وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين، ومعرفة الفرق بين لمة الملَك، ولمة الشيطان، ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ومعرفة معاني المتشابهات، ومعنى قوله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) "العنكبوت:64"، ومعنى لقاء الله تعالى والنظر إليه، ومعنى القرب منه والنزول في جواره، ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملك الأعلى، ومرافقة الملائكة والنبيين، ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم البعض كما يُرى الكوكب الدري في جو السماء، كما ورد ذلك في صحيح البخارى، إلى غير ذلك مما يكثر شرحه ويطول تفصيله.
وهذه هي العلوم التي عناها نبي الرحمة - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى بقوله: (إنَّ مِنَ العلمِ كهيئةِ المكنونِ لا يعلمُه إلَّا أهلُ المعرفةِ باللهِ تعالى) "الديلمي".

يقول الإمام أبو العزائم في قصيدة له:
هُوَ ٱلْعِلْمُ بِٱلْمَعْلُومِ يُذْكِي غَرَامِيَا
هُوَ ٱلْعِلْمُ قَصْدٌ وَهْوَ ثَمَّ وَسِيلَتِي
وَلَمْ أَتَعَلَّمْ كَيْ أَنَالَ وَجَاهَةً
هُوَ ٱلْعِلْمُ يَجْذِبُنِي إِلَى ٱللَّهِ خَالِقِي

وَيُجْلِي لِرُوحِي ٱلْوَجْهَ جَهْرًا أَمَامِيَا
لِنَيْلِ ٱلرِّضَا حَتَّىٰ أَنَالَ مَرَامِيَا
تَزُولُ وَتُبْقِي عَارَهَا وَعَذَابِيَا
هُوَ ٱلْعِلْمُ لِلْحَقِّ ٱلْيَقِينِ دَعَانِيَا

حاجة المجتمع إلى علم الآخرة وعلمائها:
يقول الإمام أبو العزائم : "إن احتياج المجتمع إلى العلم والعلماء فوق احتياجه إلى الخبز والهواء والماء، وليس العلم الذي هو ضروري للإنسان ما يحصله لينال به جاهًا في دنياه، ومنزلةً عند الوزراء والأمراء، وتيسيرًا لكمالياته، فإن هذا لا يسمى علمًا، بل هو فن أو حرفة، وكل فرد من بني الإنسان ينافس في تلك القصود فوق منافسة الأُسُود لاغتيال الحيوانات الداجنة، وعندي أن متقن الفن ومحسن الحرفة خير للمجتمع حِسًّا ومعنى ممن حصل ما يسمونه علمًا لجلب الدنيا؛ لأنه أضر على المجتمع من الوحوش الكاسرة، وكيف لا؟، وكل واحد منهم يتفنن في إسقاط الآخر بكل ما يمكنه من إيقاع به، أو نشر ما يضره عنه، بأساليب الكيد والحسد، والغيبة والنميمة والكذب، ليفرح بالانتقام من نظيره، ويسر باستيلائه على ما في يده من جاه أو منصب أو صلة بعظيم، فهم علماء نَعَم؛ ولكن بطرق الوصول إلى الدنيا، وحكماء نَعَم؛ ولكن بأساليب العظماء، والاستيلاء على أفكارهم، وأعني بالعلم: العلم النافع، الذي به سعادة المجتمع في الدنيا والآخرة، وهو العلم الذي يكسب الإنسان صدقًا في لهجته، والقلب إخلاصًا في نواياه، وخشوعًا من هيبة المعلوم، والجسم زهدًا فيما يكرهه الله، والعقل ترفعًا عن أن ينخدع بالحس ومقتضياته، والنفس رهبةً من الله وسكونًا إليه، وهذا هو العلم الذي أثنى الله على أهله، وفرض طلبه.
نشأة التصوف:
حول نشأة التصوف يثار جدل شديد وتساؤلات عديدة، مضمونها: متى نشأت الصوفية؟، وما مرجعيتها في الإسلام؟، وهل كانت على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه؟، أم هو أمر مستحدث؟، وإذا كان قد ظهر في عصر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلماذا لم يشتهر مصطلحه كشهرة مصطلح: "الصحابة" و "أهل البيت" و "العبادلة" و "الفواطم"؛ وغيرها من المسميات؟.
وللإجابة على هذه التساؤلات لابد أولًا أن نفرق بين التصوف كمنهج أخلاقي وعقائدي ورُوحي وبين كونه ممثَّلًا في طائفة تسمى بالصوفية، فاسم التصوف قد استُحدث في القرن الثاني، ولكن التصوف كمنهج أخلاقي وعقائدي ورُوحي هو الذي كان عليه النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - وآله وأصحابه في القرن الأول، فكانت بواطن أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - على المعارف الذوقية الشهودية سواء منهم المتسبب للأرزاق أو المتجرد للعبادة من أهل الصُّفَّة، فأقر النبي صلي الله عليه وآله وسلم أهل الصُّفَّة على تجريدهم لما رأي منهم القوة عليه وانتفاعهم به، وأقر المتسببين علي أسبابهم لما رأي منهم التشوف للأسباب وانتفاعهم بها، ومراد الله من الجميع ما هم عليه، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان.
وكلاهما على الجادة وعلى التوحيد الخالص والدين الخالص والنية الخالصة لله في تجريدهم أو أسبابهم، وهذا هو العلم الرباني والكمال العقلي للنبي - صلَّى الله عليه وآله و سلَّم - حيث كان يخاطب الناس على قدر على عقولهم، ويوجههم للعمل الصالح المصلح لهم لكمالهم أو ترقيتهم ومزيد صفائهم.
ومجمل القول في ذلك أن هذا الحال هو الذي كان عليه أهل القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث، ثم بعد ذلك اختلط المسلمون بغيرهم ودخلت الفلسفات الأجنبية واللغات الأجنبية فهب رجال الدين الإسلامي لحمايته والدفاع عنه، فقام كل باختصاصه يدون ويؤلف ويكتب، فهب رجال اللغة العربية فعملوا وأحسنوا، وقام رجال الفقه فعملوا وأحسنوا، وقام الأصوليون ليدافعوا عن عقيدة المسلمين، وقام العابدون الورعون العارفون بربهم ليبينوا للناس الدين الخالص والحال الذي كان عليه أهل القرن الأول من الرسوخ في مقام الإحسان والتحقق في الدين ظاهرًا وباطنًا، وهم رجال التصوف، فكان اسم التصوف عَلَمًا على هذه الطائفة القائمة على الحق الظاهرين عليه.
وأقرب مثال إلى ذلك: اللغة العربية كعلم لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لكون الناس في هذا العصر أهل فصاحة وبلاغة، واللغة العربية عندهم غريزة وفطرة، ولكن لما اختلفت الألسن وتداخل العربي مع الأجنبي كانت الحاجة ماسة إلى تدوين قواعد النحو والصرف والبلاغة ليتم المحافظة على اللغة العربية ولا تندثر مع مرور الزمن.
ومثال آخر: هو تدوين القرآن وظهور علومه، والذي لم يكن فى الصدر الأول لأن القرآن عندهم كان كالماء والهواء، ولذلك قال الله تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) "العنكبوت:49"، ولم يتخذ سيدنا أبو بكر رضي الله عنه قرار جمع القرآن إلا بعد التخوف من اندثاره وموت من وعاه وحفظه.
وكذلك كان التصوف في الصدر الأول طوية وفطرة لتربيتهم في المدرسة المحمدية، ولم يظهر التصوف كاسمٍ إلا بعد أن كثر الهرج والمرج والتسلط والحرص على الدنيا وزخرفها دون الاكتراث بالآخرة، ولكن الله تعالى يقيض للحق رجالا يدافعون عنه، فتجد التصوف قائما في الأساس على تربية الفرد تربية رُوحية عقائدية أخلاقية وقت السلم، وفي ذات الوقت سيف بتار وليث مغوار وقت الحرب.
يقول القشيري: «اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علَم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم: "الصحابة"، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين "الزهاد" و"العُبَّاد"، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم "التصوف"، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة».
ويقول محمد صديق الغماري: «ويعضد ما ذكره ابن خلدون في تاريخ ظهور اسم التصوف ما ذكره الكِنْدي ـ وكان من أهل القرن الرابع ـ في كتاب "ولاة مصر" في حوادث سنة المائتين: "إنه ظهر بالإسكندرية طائفة يُسَمَّوْن بالصوفية يأمرون بالمعروف"، وكذلك ما ذكره المسعودي في "مروج الذهب" حاكيًا عن يحيى بن أكثم فقال: "إن المأمون يومًا لجالس، إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب، فقال: يا أمير المؤمنين؛ رجل واقفٌ بالباب، عليه ثياب بيض غلاظ، يطلب الدخول للمناظرة، فعلمت أنه بعض الصوفية"، فهاتان الحكايتان تشهدان لكلام ابن خلدون في تاريخ نشأة التصوف، وذُكر في "كشف الظنون" أن أول من سمي بالصوفي: "أبو هاشم الصوفي" المتوفى سنة خمسين ومائة».
والحق أنه لم تقم دولة من دول الإسلام إلا وهم مؤسسوها، ولم تقم فتنة من أعداء المسلمين إلا وهم مطفئوها، أول الخلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إمامهم، ودام الأمر فيهم إلى سيدنا الحسن السبط – عليه السلام - ومدتهم عمر الخلافة، حتى انتقلت إلى المُلك العضود، وهم الذين قلبوا دولة بني أمية، وأعادوا الدولة لبني هاشم، وهم الذين أيدوا دولة آل عثمان، حتى شيدت المساجد في بودابست، وفي بلونيا ولم يبق إلا أن تصير أوروبا إسلامية كما كان أولًا، وهم الذين ردوا الصليبيين عن الثغور الإسلامية في زمان صلاح الدين الأيوبي، عندما غار - واللهِ - غيرة سلبت عقول الإفرنج.
وكما أنه في المحدثين والفقهاء وغيرهم منحرفون عن الجادة؛ فأنا لا أنكر أن الصوفية منهم الغث السمين، فمنهم المتحقق، ومنهم المتبرك، ومنهم المتلبس المتزندق، قال تعالى : (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) "آل عمران:163".
وعلى كل حال فالحجة قائمة وهي في الكتاب والسنة، فمن ادعى أنه صوفي متحقق وخالف الكتاب والسنة في أقواله وأفعاله فمرفوض ادعاؤه، ومردود قوله، وما أكثر هذا الصنف بين صفوف المسلمين، أعاذنا الله والمسلمين من شرهم .
طبقات أهل التصوف:
أهله على ثلاث طبقات: طبقة مريد طالب، ومتوسط سالك، ومنتهي واصل، فالمريد صاحب وقت، والمتوسط صاحب حال، والمنتهي صاحب نفَس، وعَدّ الأنفاس من أفضل الأشياء عندهم، فالمريد الطالب متعَب في طلب المراد، والمتوسط السالك مطالَب بآداب المنازل، وهو صاحب تلوين، لأنه يترقى من حال إلى حال، وهو في الزيادة، والمنتهي الواصل محمول قد جاوز المقامات، وهو في محل التمكين لا تؤثر فيه الأهوال.
فمقام المريد: المجاهدات، والمكابدات، وتحمل المشاق، وتجرع المرارات، ومجانبة الحظوظ.
ومقام المتوسط: ركوبه الأهوال في طلب المراد، ومراعاة الصدق في الأحوال، واستعمال الأدب في المقامات.
ومقام المنتهي: الصحو، والتمكين، وإجابة الحق من حيث دعاه، قد استوى في حقه الشدة والرخاء، والمنع والعطاء، والعافية والبلاء، قد فنيت حظوظه، باطنه مع الحق، وظاهره مع الخلق، وكل ذلك منقول معلوم مشهور من أحوال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وحركاته وسكناته في ابتداء أمره، ومن أحوال الصحابة والعلماء الحكماء أرباب البصائر واليقين؛ مثل حارثة وبلال وصهيب وسلمان وغيرهم من أصحاب الصُّفَّة، وأصحاب البيعة، والخلفاء، والمهاجرين، والأنصار.
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول الوحي عليه وبعده مختلياً في غار حراء، ثم صار مع الخلق ولا فرق عنده بين الخلوة والجلوة، كذا أصحاب الصُّفَّة، صار جماعة منهم بعد التمكين أمراء؛ لأنهم تمكنوا من الإيمان بالله والمعرفة والإخلاص له، فلم تؤثر المخالطة بالخلق فيهم، ولا في أحوالهم، وهذه أحوال المشايخ من بعدهم.
آراء الأئمة الأعلام في التصوف والصوفية
رأي الإمام مالك :
يقول الإمام مالك : "من تصوَّف ولم يتفقَّه فقد تزندق، ومن تفقَّه ولم يتصوَّف فقد تفسَّق, ومن جمع بينهما فقد تحقَّق". "ذكره التتائي في شرحه علي مقدمه ابن رشد".
موقف الإمام أبي حنيفة:
ذكر "صاحب النصرة النبوية"، وصاحب كتاب: "أهل الفتوحات والأذواق" أن أبا حنيفة كان محبًّا للصوفية محترمًا لمكانتهم، وكما ذكر: أنه سئل عما يفعله الصوفية في الحضرة وما يتظاهرون به: أهم صادقون في ذلك؟، فأجاب: "إن لله رجالاً يدخلون الجنة بدفوفهم ومزاميرهم"، وقد نقل الفقيه الحنفي الحصفكي - صاحب كتاب الدر المختار - : أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: "أنا أخذت التصوف من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكل منهما أثنى عليه وأقر بفضله"، وقال الأستاذ عبد القادر عيسى: لعلك تستغرب عندما تسمع أن الإمام الكبير أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من الأولياء والصالحين من الصوفية، فهل تأسى الفقهاء بهذا الإمام فساروا على نهجه وجمعوا بين الشريعة والحقيقة لينفع الله بعلمهم كما نفع بإمامهم الأعظم الإمام الكبير معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى". أ هـ.
موقف الإمام الشافعي:
قال الإمام الشعراني نقلاً عن الإمام: استفدت من مجالستهم أمرين لم أستفدهما من مشايخ العلم: قولهم: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، وقولهم: اشغل نفسك بالخير فإن لم تشغلها بالخير شغلتك بضده. ذكره النووي في "شرح المهذب"، وقال الشعراني : كثيرًا ما كان الشافعي يوصي الإمام أحمد باحترامهم ومجالستهم أيضًا ويشهد لذلك ما جاء في كتاب "جامع مجالس الصوفية": وكانا يحضران معهم في مجالس ذكرهم فقيل لهما: ما لكما تترددان إلى مثل هؤلاء؟، فقالا لهم: إن هؤلاء عندهم رأس الأمر كله، وهو تقوى الله ومحبته".
وذكر الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه: "تأييد الحقيقة العلية" أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى قال: "صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين، - وفي رواية: سوى ثلاث كلمات - قولهم: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وقولهم : نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وقولهم: العدم عصمة، أي: الفقر عصمة للمرء من الترف المفضي للإسراف أو الإنحراف".
وذكر العجلوني في: "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف".
موقف الإمام أحمد بن حنبل:
نقل الإمام الشيخ أمين الكردي عن الإمام أحمد ـ في كتابه تنوير القلوب صـ405 - أنه كان يقول لولده عبد الله قبل مصاحبة الصوفية : "يا ولدي عليك بالحديث، وإياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم بالصوفية، فإنهم ربما كان أحدهم جاهلًا بأحكام دينه، فلما صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم أصبح يقول لولده: يا ولدي، عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد، وعلو الهمة".
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي: أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال عن الصوفية: "لا أعلم أقواماً أفضل منهم ... فقيل له : إنهم يستمعون ويتواجدون ... قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت، ومنهم من يغشى عليه ... قال: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)" "الزمر:47".
الإمام الغزالي:
قال في كتابه : "المنقذ من الضلال": "وقد علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ...). أ هـ.
الإمام فخر الدين الرازي:
قال في كتابه: "اعتقادات فرق المسلمين والمشركين": "والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس من العلائق الجسمانية، ويجتهدون أن لا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم، منطبعون على كمال الآداب مع الله عز وجل، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين". أ هـ.
الإمام العز بن عبد السلام:
قال: "قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تتهدم دنيا وآخرة، وقعد غيرهم على الرسوم" قلت: وله كتاب في التصوف عن "الإنسان" كله عن التصوف، وكيف يكون الإنسان خليفة الله في أرضه. أهـ
الإمام النووي:
قال في رسالته "المقاصد": "أصول التصوف خمسة: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرضا عن الله في القليل والكثير، والرجوع إلى الله في السراء والضراء". أ هـ .
الإمام تاج الدين السبكي:
قال في كتاب: "مفيض النعم ومبيد النقم" تحت عنوان: "الصوفية" بعد شرح مستفيض وحديث عن تعاريف الصوفية : "الحاصل أنهم أهل الله وخاصته، ترتجي الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعني بهم ...".
الإمام جلال الدين السيوطي:
قال في كتابه: "تأييد الحقيقة العلية": "إن التصوف في حقيقته علم شريف، مداره على اتباع السنة، وترك البدع، والتبري من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها وإراداتها واختبارها، والتسليم لله والرضا بقضائه وطلب محبته واحتقار ما سواه ...".
واجب رجال التصوف:
وضع الإمام أبو العزائم مسئولية كبيرة على رجال التصوف نحو الأمة الإسلامية التى باتت تواجه تحديات كثيرة ، وأصبحت الأمة بين الألم والأمل ، تحتاج إلى قلب نقى وسيرة طيبة ويد طاهرة تأخذها إلى بر الأمان ، فقال رضى الله عنه : الصوفية مقبلون بالكلية على الحق، يرون واجبهم المقدس في مثل تلك الحوادث الابتهال إلى الله تعالى أن يحفظ المجتمع من الفتن المضلة، وأن يدفع عن عبيده وعباده نتائج غضبه، من الهرج والمرج، والظلم والتظالم، حتى دعا واجب الوقت أن يكونوا عمالا لله تعالى، قياما بمقتضى الوقت، والوقت يوجب علينا أن نحرص كل الحرص على العمل لرد ضالتنا المنشودة، حتى نكون كما خلقنا الله تعالى أحراراً، أي متنعمين بنعمة الدين والدنيا والآخرة، فإن مسرات النفس بنيل الشرف والمجد فوق مسرات الجسم بنيل الشهوات والملاذ، ومسرات الرُّوح بنيل رضوان الله الأكبر، والقيام له سبحانه وتعالى بما يحب يرضى فوق مسرات النفس بالمجد والشرف، ولا سبيل إلى نيل خير الرُّوح والنفس والجسم إلا التمتع بالحرية المطلقة، التي يكون بها الإنسان آمنا على دينه ودنياه وحياته، وإذا عشنا في تلك الدار الدنيا لا حرية لنا ولا رأي؛ يضيع الحق بيننا، فلا يمكننا أن نقوم به، تلك الحياة ليست حياة إنسانية، بل هي أشبه بحياة أسفل الأنواع؛ فإن الله عز وجل خلق الإنسان حرا مريدا، وكان قادرا سبحانه أن يقهره بوضع أسباب تحيط به، فكيف يرضى الإنسان لنفسه أن يكون آلة صماء تحت إنسان نظيره، ولا بد لكل صوفي - لا أقول في بلاد مصر بل في كل أقطار الأرض - من أن يعلن أنه لا يرضى لأي إنسان مهما كانت درجته دينا وعلما أن يرى إنسانا نظيره فوقه إلا بالحق، كما يرى الأبناءُ آباءَهم الرحماء، وكما يرى التلاميذُ معلميهم الأتقياء، وكما ترى الأمةُ ولاةَ الأمور الأبرار الأخيار، فيكون الحق عز وجل هو العليّ الكبير، الحَكَم العدل، وتكون منزلة الإنسان للإنسان بقدر قيامه للحق بالحق، وقد آن لكل صوفي أن يعلن هذا الإعلان، رغبة في نيل رضوان الله تعالى، وحبا في الخير، ولما كانت تلك الهمة وجدانًا رُوحانيا؛ كان القائم الداعي إليه داعيا إلى الحق كائنًا من كان.
وإني أدعو رجال الصوفية الذين هم أصدق قلوبا، وأخلص نية، وأسرع إقبالا على الحق؛ أن يتوجهوا إلى الله بقلوبهم ليغيث العباد من هذا الفساد، وأن ينبهوا العامة والخاصة إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ليكون الله تعالى معنا بخفيّ لطفه، وسريع إغاثته، وعجائب قدرته، فإنه قال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) "البقرة:186"، وأن يرفعوا أصواتهم بعد الحلم والأناة، والاستخارة والمشورة، حتى ينظر الله تعالى إلى عباده بعين رحمته وحنانه، ويمدهم سبحانه بعطفه وفضله، وقوته وإحسانه، ويحسن أن يكون لكبار رجال الصوفية، ومشايخ البيوت وحضرة شيخ المشايخ اجتماعات يرفعون فيها الأمر إلى الله تعالى، ويكثرون تلاوة الأدعية المأثورة، وينبهون على الدراويش أن يصوموا أيامًا لله، ويسهروا ليالي لله، ليتجلى الله سبحانه لعباده بما هو أهله من الكرم والإحسان، والعفو والعافية، والحفظ والسلامة.
السيد أحمد علاء الدين ماضى أبو العزائم

 

Read 443 times Last modified on الخميس, 06 تشرين1/أكتوير 2016 18:50
Login to post comments

 

  الإسلام وطن هو الموقع الرسمى الوحيد للطريقة العزمية ، ويمكنك التواصل معنا عبر الوسائل التالية .

صور

Template Settings

Theme Colors

Cyan Red Green Oranges Teal

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…