All for Joomla All for Webmasters

الخوف والرجاء

Rate this item
(0 votes)

الرجاء هو اسم لقوة الطمع فى الشىء، بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشىء، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء فى التثنية، وأقام الحذر مقام الخوف فقال علت كلمته: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾[السجدة: 16]. وقال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾[الزمر:9]

 

ملخص الموضوع :
- المؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه.
- النفس مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف والتواضع والذل بمعنى ما قلناه
- المؤمن يتساوى عنده الرجاء والخوف وقد يزيد الرجاء على الخوف
- أنواع الخوف : خوف مقام الله والخوف من الذنب والعيب والأسباب والخاتمة والحذر من الآخرة .
- الخوف حقيقة التقوى
- من صفات العبد رجاء رحمة الله وحسن الظن بالله .
- اليأس من رحمة الله والقنوط من رحمة الله مهلك للعبد .
- ليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء فى مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين ، وأكثر النفوس لا يصلح إلا على الخوف ، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا.
- الخوف باطن الرجاء لأنه لما تحقق برجاء شىء خاف فوته .
- إذا قيل لك : تخاف الله فاسكت ، لأنك إن قلت : لا، كفرت، وإن قلت: نعم فليس وصفك وصف من يخاف .
-
- أولا : مقام الرجاء :
الرجاء هو اسم لقوة الطمع فى الشىء، بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشىء، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء فى التثنية، وأقام الحذر مقام الخوف فقال علت كلمته: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾[السجدة: 16]. وقال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾[الزمر:9] . وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان لا يصلح إلا به كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف، فالرجاء بمنزلة أحد جناحى الطير لا يطير إلا بجناحيه، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه، وهو مقام من حسن الظن بالله تعالى وجميل التأميل له، فلذلك أوصى رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بقوله: (لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى)[رواه مسلم]. لأنه قال عن الله تعالى: (أنا عند حسن ظن عبدى بى فليظن بى ما شاء)[الصحيحين]. وكان ابن مسعود رضى الله عنه يحلف بالله تعالى: ما أحسن عبد بالله تعالى ظنه إلا أعطاه الله تعالى ذلك، لأن الخير كله بيده. أى: فإذا أعطاه حسن الظن به فقد أعطاه ما يظنه، لأن الذى حسن ظنه به هو الذى أراد أن يحققه له.
ودخل رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ على رجل وهو فى سياق الموت فقال: (كيف تجدك؟ فقال: أجدنى أخاف ذنوبى، وأرجو رحمة ربى، فقال ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: ما اجتمعا فى قلب عبد فى هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا وآمنه مما يخاف). ولذلك قال على كرم الله وجهه للرجل الذى أطار الخوف عقله حتى أخرجه إلى القنوط، فقال له: (يا هذا يأسك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنبك) صدق رضوان الله عليه، لأن اليأس من روح الله تعالى الذى يستريح إليه المكروب من ذنوبه، والقنوط من رحمة الله التى يرجوها المبتلى بالذنوب، أعظم من ذنوبه، لأنه قطع بهواه على صفات الله تعالى المرجوة، وحكم على كرم وجهه سبحانه بصفته المذمومة، فكان ذلك مـن أكبر الكبائر وإن كانت ذنوبه كبائر، وهكذا جاء فى تفسير: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾[البقرة : 195] . قال: هو العبد يذنب الكبائر، ويلقى بيده إلى التهلكة ولا يتوب، ويقول: قد هلكت لا ينفعنى عمل، فنهوا عن ذلك.

الرجاء مقام الكرماء:
الرجاء مقام جليل وحال شريف نبيل، لا يصح إلا للكرماء، من أهل العلم والحياء، وهو حال يحول عليهم بعد مقام الخوف، يروحون به من الكرب ، ويستريحون إليه من مفارقة الذنب، ومن لم يعرف الخوف لم يعرف الرجاء، ومن لم يقم فى مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات أهل الرجاء على صحة وصفاء، ورجاء كل عبد من حيث خوفه، ومكاشفته عن أخلاق مرجوة، من معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة، فإن كان أقيم مقام المخوفات، مثل الذنوب والعيوب والأسباب، رفع من حيث تلك المقامات إلى مقامات الرجاء، بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويف الجنان، وما فيها من الأوصاف الحسان، وهذه مواجهات أصحاب اليمين ، وإن كان أقيم مقام مخاوف الصفات، عن مشاهدة معانى الذات، مثل سابق العلم وسوء الخاتمة، وخفى المكر وباطن الاستدراج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبروت، ورفع من هذه المقامات إلى مقام المحبة والرضا، فرجا من معانى الأخلاق وأسماء الكرم والإحسان، والفضل، والعطف واللطف والامتنان، وليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة أهل الرجاء، فى مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين، فليس يصلح إلا بخصوصه وهو يفسد من لم يرزقه أشد الفساد ولا يجديه ولا يستجيب له، ولا يستخرج إلا من المحبة، ولا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف، وأكثر النفوس لا يصلح إلا على الخوف، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا.
- صحة الرجاء:
ومن علامة صحة الرجاء فى العبد كون الخوف باطناً فى رجائه، لأنه لما تحقق برجاء شىء خاف فوته، لعظم المرجو فى قلبه وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك فى حال رجائه من خوف فوت الرجاء، والرجاء هو ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفاً، لأنهما وصفان لا ينفك أحدهما عن الآخر. كذلك حقيقة الرجاء والخوف فى معانى الملكوت، إذا ظهر الخوف كان العبد خائفاً، وظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلى بوصف مخوف، فسمى العبد خائفاً لغلبته عليه، وبطن الرجاء فى خوفه، وإذا ظهر الرجاء كان العبد راجياً، وظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلى الربوبية بوصف مرجو، فوصف العبد به لأنه الأغلب عليه وبطن الخوف فى رجائه، لأنهما وصفان للإيمان كالجناحين للطير، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه.
وقال مطرف: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا. فهذا أصل فى معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع فى المرجو. فللمؤمنين فى اعتدال الخوف والرجاء مقامان، أعلاهما مقام المقربين، وهو ما حال عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة. والثانى مقام أصحاب اليمين، وهو ما عرفوه من بدائع الأحكام.
وروى أن لقمان عليه السلام قال لابنه: (خف الله تعالى خوفاً لا تأمن فيه مكره، وارجه رجاء أشد من خوفك، قال: كيف أستطيع ذلك وإنما لى قلب واحد؟ قال: أما علمت أن المؤمن كذى قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟).
- ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات فى كل طبقة طائفة:
1- فمنهم من يعيش مؤمناً ويموت مؤمناً، وهؤلاء رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين، إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته، وأن لا يسلبهم بفضله ما به بدأهم.
2- ومن الناس من يعيش مؤمناً ويموت كافراً والعياذ بالله، فهؤلاء موضع خوفهم عليهم وعلى غيرهم، لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم.
3- ومن الناس من يعيش كافراً ويموت مؤمنا.
4- ومنهم من يعيش كافراً ويموت كافراً، فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم، الثانى للمشرك، إذ رأوه فلم يقنطوا بظاهره أيضاً، خوف هذا الرجاء خوفاً ثانياً أن يموت على تلك الحال، وأن يكون ذلك هو حقيقة عند الله.
فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة، ورثه الخوف والرجاء معاً، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به، وحكم على الخلق بالظاهر، ووكل إلى علام الغيوب السرائر، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر، بل يرجو له ما بطن عند الله من الخير، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره بظاهر الخير، بل يخاف أن يكون قد استتر عند الله تعالى باطن شر، إلا أن حال التمام أن يخاف العبد على نفسه، لأن ذلك وجد المؤمنين من قبل أنهم متعبدون بحسن الظن، فهم يحسنون الظن بالناس، ويخرجون لهم المعاذير بسلامة الصدور، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور، ثم هم فى ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها، ويوقعون الملام عليها، ولا يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم، ولخوف التزكية منهم لهم، فمن عكس عليه هذان المعنيان فهو مستدرج يحسن الظن بنفسه، ويسىء ظنه بغيره، فيكون خائفاً على الناس راجياً لنفسه محتجاً لها، لائماً للناس ذاماً لهم، فهذه أخلاق المنافقين، أعاذنا الله من النفاق وأهله.
-
- علامات الرجاء عن مشاهدة المرجو:
دوام المعاملة لله تعالى وحسن التقرب إليه، وكثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمله منه، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلاً منه من حيث كرمه، لا من حيث الواجب عليه ولا الاستحقاق منا، وأنه يكفر سىء ما عمله إحساناً منه ورحمة، من حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية، وألطافه الخفية، لا من حيث اللزوم له بل من حيث حسن الظن به، كما قال سفيان الثورى رضى الله عنه: من أذنب ذنباً فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه، غفر الله عز وجل له ذنبه. قال: لأن الله تعالى عير قوماً فقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ﴾[فصلت : 23] ، وقد جاء فى الخبر: (أن من أذنب ذنباً فأحزنه ذلك، غفر الله له ذنبه وإن لم يستغفر).
ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض وفضل، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه، معبوده ورازقه، من حيث كرمه وفضله لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولومه. وجاء فى الخبر: (إذا دعوتم فكونوا موقنين بالإجابة، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن، ومن داع دعاءً بيناً من قلبه) لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له باب من العبادة. وفى الخبر: (الدعاء نصف الإيمان)[السيوطى فى الجامع الكبير]. وروينا عـن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (ما من داع دعا موقناً بالإجابة فى غير معصية ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تعالى إحدى ثلاث: إما أن يجيب دعوته فيما سأل، أو يصرف عنه من السوء مثله، أو يدخر له فى الآخرة ما هو خير له)[أحمد والبزار] . وروينا عن نبينا ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أنه قال للرجل الذى قال: أوصنى، فقال: (لا تتهم الله تعالى فى شىء قضاه عليك)[أحمد والطبرانى]. وفى خبر آخر: (أنه نظر إلى السماء وضحك ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾، فسئل عن ذلك، فقال: عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن، فى كل قضائه له خير، إن قضى له بالسراء رضى وكان خيراً له، وإن قضى عليه بالضراء رضى وكان خيراً له)[النسائى].
-
- حسن الظن بالله:
ومن حسن الظن بالله تعالى التملق له سبحانه وتعالى، وهو من قوة الطمع فيه، ومن الرجاء انشراح الصدر بأعمال البر، وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعود، وتقرباً إلى الرحيم الودود. ومن الرجاء القنوت فى ساعات الليل، وهو طول القيام للتهجد والدعاء عند تجافى الجنوب عن المضاجع، لما وقر فى القلوب من المخاوف.
ولذلك وصف الله الراجين بهذا فى قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾[الزمر :9].
ومن الرجاء الأنس بالله فى الخلوات، ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب من الأولياء، وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير وسعة الصدر والروح عندهم، ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى لوجود حلاوة الأعمال، والمسارعة إليها والحث لأهلها عليها، والحزن على فوتها والفرح بدركها. ومن ذلك الخبر المأثور: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن). وأيضاً: (خيار أمتى الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا). ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال، والتنعم بمناجاة ذى الجلال والإكرام، وحسن الإصغاء إلى محادثة القريب، والتلطف فى التملق للحبيب، وحسن الظـن به فى العفو الجميل، ومنال الفضل الجزيل. وقال بعض العارفين: للتوحيد نور وللشرك نار، ونور التوحيد أحرق لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك.
وروى عنه ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى)[أحمد والبيهقى] . (وخير الدين أيسره)[أحمد] . وقال: (هلك المتعمقون، هلك المتنطعون)، وقال ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (بعثت بالحنيفية السهلة السمحة)[أحمد ] . وقال تعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾[الأعراف :157]. واستجاب للمؤمنين فى قولهم: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾[البقرة :286] . فقال عز وجل: قد فعلت.
وعن سيدنا داود وغيره من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام: (أحبنى وأحب من يحبنى وحببنى إلى خلقى، قال: رب هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ فقال عز وجل: أذكرنى بالحسن الجميل واذكر آلائى وإحسانى، وذكرهم ذلك فإنهم لا يعرفون منى إلا الجميل). وفى الخبر: (إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم أو يشق عليهم)، وفى كلام لعلى كرم الله وجهه: (إنما العالم الذى لا يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم مكر الله تعالى). ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه الكريم، وسرعة التنافس فى كل نفس ندب إليه الرحيم.
-
- ثانيا : مقام الخوف :
الخوف اسم لحقيقة التقوى، والتقوى معنى جامع للعبادة، وهى رحمة الله تعالى للأولين والآخرين، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[البقرة :21] . وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ ﴾[النساء :131] . وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها، والتقوى سبب أضافه تعالى إليه تشريفاً له، ومعنى وصله بـه وأكرم عباده عليه تعظيماً له، فقال: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾[الحج :37] . وقال عز وجل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾[الحجرات :13].
وفى الخبر: (إذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم، يقول: يا أيها الناس: إنى قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا فأنصتوا إلىَّ يوم، فإنما هى أعمالكم ترد عليكم، أيها الناس: إنى جعلت نسباً وجعلتم نسباً، فوضعتم نسبى ورفعتم نسبكم، قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وأبيتم إلا فلان وفلان أغنى من فلان وفلان، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبى، أين المتقون، قال فينصب للقوم لواءهم إلى منازلهم، فيدخلهم الجنة بغير حساب)[الطبرانى] .
والخوف حال من مقام العلم، وقد جمع الله تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وهذه جمل مقامات أهل الجنان، فقال تعالى: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾[الأعراف :154]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ( ). وقال تعالى: ﴿ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾( ).
وفى خبر موسى عليه السلام: (وأما الخائفون لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه). فأفردهم من غير مشاركة بالرفيق الأعلى، كما حققهم اليوم بشهادة التصديق، وهذا مقام من النبوة، فهم مع الأنبياء فى المزية من قبل أنهم ورثة الأنبياء، لأنهم هم العلماء، قال تعالى: ﴿ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ﴾( ). وقال تعالى فى وصف منازلهم: ﴿ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً ﴾. بمعنى رفقاء، عبر عن جماعتهم بالواحد لأنهم كانوا كأنهم واحد، وقد يكون رفيقاً مقاماً فى الجنة من أعلى عليين، لقول رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ عند الموت وقد خير بين البقاء فى الدنيا وبين القدوم على الله تعالى فقال: (أسألك الرفيق الأعلى) ( ). وفى خبر موسى رضى الله عنه المتقدم: (فأولئك لهم الرفيق الأعلى) فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ لذلك، وشرف مقامهم فوق كل مقام، لطلب رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ذلك، فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان، وهو علم الوجود والإتقان، وهو سبب اجتناب كل نهى ومفتاح كل أمر، وليس يحرق شهوات النفوس فيزيل آثار آفاتها إلا مقام الخوف.
- خوف المؤمن على قدر قربه:
وقال أبو محمد سهل رحمة الله عليه: كمال الإيمان العلم، وكمال العلم الخوف. وقال مرة : العلم كسب الإيمان، والخوف كسب المعرفة. وقال أبو الفيض المصرى: لا يسقى المحب كأس المحبة إلا بعد أن ينضج الخوف فى قلبه، وقال: خوف النار عند خوف الفراق بمنزلة قطرة قطرت فى بحر لجى. وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، خوفه على قدر قربه فخوف الإسلام اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى وتسليم القدرة والسطوة له، والتصديق لما أخبر به من عذابه وما تهدد به من عقابه. وقال الفضيل: إذا قيل لك: تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت: لا، كفرت، وإن قلت: نعم فليس وصفك وصف من يخاف، وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال: ألا ترى إلى هؤلاء أعظهم وأذكرهم فلا يرقون؟ فقال: وكيف تنفع الموعظة من لم تكن فى قلبه لله تعالى مخافة؟ ، وقال تعالى فى تصديق ذلك: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى {10}وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴾( ). أى يتجنب التذكرة الشقى، فجعل من عدم الخوف شقياً حرمه التذكرة ، فخوف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن باطن العلم بالعقد، وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد، أما خوف اليقين فللصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما آمن به من الصفات المخوفة. وفى الخبر: (إذا دخل العبد قبره لم يبق شىء كان يخافه دون الله عز وجل إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة). فأول خوف اليقين الموصوف الذى هو نعت الموصوفين من المؤمنين، المحاسبة للنفس فى كل وقت، والمراقبة للرب فى كل حين، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شىء من العلوم بغير يقين بها، ومن الأعمال بغير فقه فيها.
- ثمرة الخوف:
اليقين بالله عز وجل، والحياء من الله عز وجل، وهو أعلى سريرات أهل المزيد، يستبين أحكام ذلك فى معنيين هما جملة العبد، أن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان، وأن يحفظ بطنه وما وعاه، وهو القلب والفرج واليد والرجل، وهذا خوف العموم وهو أول الحياء، أما خوف الخصوص فهـو أن لا يجمع ما لا يأكل، ولا يبنى مالا يسكن، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل، ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل، وهذا هو الزهد، وهو حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين.
-
- خوف الخاتمة:
وفى الأخبار: كل من لم يستعمل قلبه فى بدايته، ويجعل الخوف حشو إرادته لم ينجح فى خاتمته، ولم يكن إماماً للمتقين عند علو معرفته. وأعلى الخوف أن يكون قلبه معلقاً بخوف الخاتمة، لا يسكن إلى علم ولا إلى عمل، ولا يقطع على النجاة بشىء من العلوم وإن علت، ولا لسبب من أعماله وإن جلت، لعدم علمه تحقيق الخواتم، فقد قيل: إنما يوزن من الأعمال خواتمها.
وعن النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: (أن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى يقـال إنه من أهل الجنة) ( ). وفى خبر: (حتى ما يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر، ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار)، ولا يتأتى فى هذا المقدار من الوقت شىء من عمل الجسم بالجوارح، إنما هو من أعمال القلوب بمشاهدة العقول، وهو شرك التوحيد الذى لم يكن متحققاً به، وشك فى اليقين الذى لم يكن فى الحياة الدنيا مشاهداً له، فظهر له بيان ذلك عند كشف الغطاء، فغلب عليه وصفه وبدت فيه حاله، كما يظهر له أعماله السيئة فيستحليها قلبه، أو ينطق بها لسانه، أو يخامرها وجده، فتكون هى خاتمته التى تخرج عليها روحه، وذلك فى سابقته التى سبقت له من الكتاب كما قال تعالى: ﴿ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ﴾( ). عند مفارقة الروح من الجسد: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾( ).
-
- الخوف من مكر الله تعالى:
حدثنا عن أبى محمد سهل رحمه الله قال: رأيت كأنى أدخلت الجنة فلقيت فيها ثلاثمائة نبى، فسألتهم: ما أخوف ما كنتم تخافون فى الدنيا؟ قالوا: سوء الخاتمة. فالخاتمة هى من مكر الله تعالى الذى لا يوصف، ولا يفطن له ولا عليه يوقف، ولا نهاية لمكره، لأن مشيئته وأحكامه لا غاية لها، ومن ذلك الخبر المشهور: أن النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وجبريل بكيا خوفاً من الله تعالى، فأوحى الله إليهما: لم تبكيان وقد أمنتكما ؟ فقالا: ومن يأمن مكرك) ؟( ). فلولا أنهما علما أن مكره لا نهاية له لأن حكمه لا غاية له، لم يقولا: (ومن يأمن مكرك) مع قوله: (قد أمنتكما) ولكان قد انتهى مكره عنهما، وعلما أنهما لا يقفان على غيب الله تعالى إذ هو علام الغيوب. فلا نهاية للعلام فى علم، ولا غاية للغيوب بوصف، فلم يحكم عليهما القول لعنايته بهما، وفضل نظره إليهما، لأنهما على مزيد من معرفة الصفات، إذ المكر عن الوصف وإظهار القول لا يقضى على باطن الوصف، فكأنهما خافا أن يكون قوله تعالى: (قد أمنتكما مكرى) مكراً منه أيضاً بالقول على وصف مخصوص، عن حكمة قد استأثر بعلمها، يختبر بذلك حالهما، وينظر كيف يعملان تعبداً منه لهما به، إذ الابتلاء وصفه من قبل أن المبتلى اسمه، فلا يترك مقتضى وصفه لتحقق اسمه، ولا تبدل سنته التى قد خلت فى عباده، كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى به المنجنيق فى الهواء فقال: (حسبى الله ربى، فعارضه جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: لا) وفاء بقوله: (حسبى الله)، فصدق القول بالعمل فقال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.( ) أى بقوله: (حسبى الله) ولأن الله تعالى لا يدخل تحت الأحكام، ولا يلزمه ما حكم به على الأنام، ولا يختبر صدقه سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يوصف بضد الصدق، وإن بدل الكلم هو بتبديل منه، لأن كلامه قائم به فله أن يبدل به ما شاء، وهو الصادق فى الكلامين، العدل فى الحكمين، الحاكم فى الحالين، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه، لأنه قد جاوز العلوم والعقول التى هى أماكن للحدود من الأمر والنهى، وفات الرسوم والمعقول التى هى أواسط الأحكام والأقدار.
وفى مشاهدة ما ذكرناه علم دقيق من علوم التوحيد، ومقام رفيع من أحوال التوحيد، وبمثل هذا المعنى وصف صفيه موسى عليه السلام فى قوله تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ﴾( ). بعد قوله تعالى: ﴿ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا ﴾( ). الآية، فلم يأمن موسى عليه السلام بخفى المكر أن يكون الوصف قد أسر عنه فى غيبه، واستثنى فى نفسه سبحانه ما لم يظهره له فى القول، لمعرفة موسى عليه السلام بخفى المكر وباطن الوصف، ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور، فخاف خوفاً ثانياً حتى أمنه أمناً ثانياً بحكم ثان فقال: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى ﴾( ). فاطمأن إلى القائل ولم يسكن إلى الإظهار الأول، لعلمه بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التى لا نهاية لها، ولأن القول أحكام والحاكم لا تحكم عليه الأحكام، كما لا تعود عليه الأحكام، وإنما تفصل الأحكام من الحاكم العلام، ثم تعود على المحكومات أبداً، ولأنه جلت قدرته لا يلزمه ما لزم الخلق الذين هم تحت الحكم، ولا يدخل تحت معيار العقل والعلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً عند من عرفه فأجله وعظمه.
-
- ذكرى لمن كان له قلب:
أجهل الناس من آمن غير مأمون، وأعلمهم من خاف فى الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين، وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾( ). وهذا خوف لا يقوم له شىء، وكرب لا يوازيه مقام ولا عمل، لولا أن الله تعالى عدله بالرجاء، لأخرج إلى القنوط، ولولا أنه روحه بروح الأنس بحسن الظن، لأدخل فى الإياس، ولكن إذا كان هو المعدل وهو المروح، كيف لا يعتدل الخوف والرجاء ولا يمتزج الكرب بالروح والرضا؟ حكمة بالغة، وحكم نافذ لعلم سابق، وقدر جار، ما شاء الله تعالى، لا قوة إلا بالله.
-
- أنواع المخاوف:
خوف الجنايات والاكتساب، وخوف الوعيد وسر العقاب، وخوف التقصير فى الأمر، وخوف مجاوزة الحد، وخوف سلب المزيد، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة، وخوف حدوث الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة، وخوف وهن العزم بعد القوة، وخوف نكث العهد بنقض التوبة، وخوف الوقوع فى الابتلاء بالسبب الذى وقعت منه التوبة، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة، وخوف العادة بالشهوة، وخوف الحور بعد الكور، وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا، وخوف إطلاع الله تعالى عليهم عند ما سلف من ذنوبهم، ونظره إليهم على قبيح فعلهم، فيعرض عنهم ويمقتهم، وخوف النفاق، وخوف حبوط الأعمال، وخوف سلب الإيمان. وهذه كلها مخاوف، وطرقات لأهل المعارف، وبعضها أعلى من بعض، وبعضهم أشد خوفاً من بعض.

خوفى من الذنب يدعونى إلى يأسى
بدل خطاياى بالحسنى وأيدنى
وفى الرجا الأنس أكرم سيدى شيبى
بالروح واحفظنى من ظلمة الريب


أخاف وأرجو حفظ رتبة أولى
أخاف ذنوبى بل وأرجوك سيدى
ولكننى الطماع فى خير موئل
وأطمع فى رشفى طهور المنزّل


لم تيئسنى ذنوبى
بل أمن جانب ربى
أخشاه جل تعالى
أخاف ذنبى لأنى
والذنب يحجب قلبى
ولا كبير عيوبى
كفر وشر نصيب
فى حظوة التقريب
أحب أنس حبيبى
عن مقصدى مطلوبى

 

خوف مقام الله وخوف عذاب الله :
من علامة العصمة بالله أن تراقب الله جل جلاله فى صفاء صفائك، وأجلى بهائك، وفى أرقى مقامات قربك.. فشاهد ما أنت عليه من العجز عن شكر نعماه، ومن الافتقار إلى جدواه، ومن الاضطرار إلى عطاياه، ومن القصور عن القيام بما كلفك به إلا بحول منه وقوة، فإذا وفقك للقيام بعمل ما يحب فاجعل ذلك منة منه عليك، وفضلا منه سبحانه واصلاً إليك، وقف متذللا بين يدى عظمته، خاشعا أمام عزته، شاكرا لأنعمه، ذاكراً جدواه، وإياك أن يكون لك مراد سواه أو أمل فى غيره، فإن هذا مهـاوى إبليس -عليه لعنة الله- ودسائسه الخفية، اجعل التوبة درعك التى تدفع بها أعدى عدوك، والإنابة سيفك الذى تقصم به ظهر خصمك، وشهود منة الله عليك فى كل نفس معراجك الذى تسرى به إلى ربك، واجعل الخوف من ربك جل جلاله باب القرب منه، وميزاب استنزال فضله العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾( ).
الجاهل لا يخاف مقام ربه ولكن يخاف عذاب ربه ، فقد يقع فى المخالفة لنسيان يوم الحساب، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ( ) وقال تعالى :  وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا ( ).
فمن كان خوفه من المنتقم القهار الكبير المتعال، كان فى حصون الأمن من الوقوع فى المخالفة، ومن كان خوفه من عذاب النار والحرمان من الملاذ والشهوات قد ينسى - لما ينال من ملاذ الدنيا وزهرتها الفانية - نعيم الآخرة ، فيقع فى المخالفات وينسى العقوبات حتى يلقى فى هوة النار ، نعوذ بالله من جهل مقام ربنا ومن نسيان يوم الحساب .
إذا عرفت مقام الله خفت
وفى خوف المقام تنال القرب بوصال

التقوى خوف المقام :
قال تعالى : (قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ أى : ما تتمتعون به فى الدنيا من عافية ويسار ونيل مشتهيات قليل جدا بالنسبة لما يفوز به المجاهد فى سبيل الله، فإن المجاهد إذا استشهد فاز بنعيم الجنة المقيم، وإن أرجعه الله سالما منصورا فاز بالحسنيين فى الدنيا والآخرة  وَالآخِرَةُ  أى : اليوم الآخر، سماها سبحانه آخرة لأن الدنيا أولى وما بعدها آخرة، أى : متأخرة  خَيْرٌ أى : فوز بما يحبه الله ويرضاه من نعيم ومسرة وحبور دائم فى جوار الأخيار من النبيين والصديقين والشهداء  لِّمَنِ اتَّقَى  أى : خاف مقام ربه فراقبه فى جميع أعماله قلبية كانت أو جسمية
فالمؤمن إذا قرأ آيات البشائر بالنعيم والرضوان بحث عن أهلها الذين يتفضل الله عليهم بهذا الفضل العظيم، وفتش عن صفاتهم التى أثنى الله بها عليهم، فسارع إليها، ومسارعته إليها هى مسارعة إلى المغفرة والجنة والرضوان، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾( ) فسارعوا إلى تلك الصفات التى ذكرها الله تعالى، مسارعة من يعلم قدر النعمة التى ينالها، والفضل العظيم الذى يفوز به، والخير العظيم الذى يحظى به من الله تعالى، ويكون فى عمله هذا كأنه فى أعلى الجنة تصديقا لوعد ربه، وتلذذا بتوفيق الله له للعمل بما يحبه، فيكون كأنه فى جنتين: جنة روحانية وهى بهجة نفسه بالتوفيق والعناية والهداية، وجنة جسمانية وهى تلذذه بطاعة ربه فى تلك الدار الدنيا، ويكون له جنتان يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾( )، وهذا ما ينكشف لك يا أخى عند تلاوة آية البشائر والوعد.
وكمال المعرفة أن تعرف من أنت فلا تتعدى قدرك ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ( )
وإنى لأنصح لكل أخ جمله الله تعالى بأحوال آل العزائم أن يعادى كل عقيدة وحال وشهود ووجود ورأى لم يكن مستمدا من السنة وأن يخاف مقام ربه, ومن أطاع شهودا يخالف السنة أو حالا قهره لم يؤخذ من السنة, فقد أطاع الشيطان
اجعل التوبة درعك التى تدفع بها أعدى عدوك، والإنابة سيفك الذى تقصم به ظهر خصمك، وشهود منة الله عليك فى كل نفس معراجك الذى تسرى به إلى ربك، واجعل الخوف من ربك جل جلاله باب القرب منه، وميزاب استنزال فضله العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾( ).

Read 660 times
Login to post comments

 

  الإسلام وطن هو الموقع الرسمى الوحيد للطريقة العزمية ، ويمكنك التواصل معنا عبر الوسائل التالية .

صور

Template Settings

Theme Colors

Cyan Red Green Oranges Teal

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…