All for Joomla All for Webmasters

تخطئة القائلين بانتساب أهل الكفر إلى الدين 3

Rate this item
(0 votes)

" إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴿44﴾ المائدة

 

تخطئة القائلين بانتساب أهل الكفر إلى الدين
من أسرار القرآن 3
الآية الرابعة: يقول الله تعالى:
" إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴿44﴾ المائدة
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ يعنى جل جلاله بقوله: (إِنَّا ) إِنَّ، الدالة على التوكيد، و: نا، الدالة على عظمته جل جلاله تعظيما للتوراة، لأن منزلها عظيم ﴿ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ ﴾ على موسى، جمعنا له فيها بيان الأحكام والعبادات والمعاملات بحسب زمانه، وفيها أيضا بيان العقائد التى يجب أن تعقد عليها قلوب أهل الإيمان بدليل قوله: (وَنُورٌ ) لأن النور يكشف الظلمات حتى تستبين الحقائق لمن أدركها، كما تستبين حقائق الكائنات بالشمس إذا أشرقت ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ﴾ أى: بأحكامها التى جمعها الله فيها ﴿ النَّبِيُّونَ ﴾ الذين نَبَّأهُمُ الله بشرع يعملون به وَيُعْلِمُونَ غيرهم، لأن المراد هنا بالأنبياء الرسل بدليل قوله ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ أى: فوضوا أمورهم لله مسلمين جميع شئونهم له سبحانه، من أنبياء بنى إسرائيل الذين بعثهم الله من بعد موسى إلى خاتم الأنبياء محمد﴿  وآله﴾، وهو رسول منهم فهو يحكم بما أنزل الله تعالى فى التوراة من البيان والنور، وبما أنزله الله عليه فى القرآن إذا لم يكن الحكم فى التوراة أو كان فيها مخالفا لما فى القرآن فإن القرآن نسخ أحكام التوراة وَغَيْرها ، والقرآن كتاب الله المهيمن على سائر الكتب، وهو خاتم كتب الله تعالى، .
وتلك الأحكام التى يحكم بها الأنبياء ﴿ لِلَّذينَ هَادُواْ ﴾ أى: يحكم من أحكام التوراة أنبياء الله الذين اصطفاهم لرسالته ﴿ لِلَّذينَ هَادُواْ﴾ وهو بنو إسرائيل، ومعنى هادوا لغة أى: رجعوا إلى الله تعالى، وهم الذين كانوا ينفذون أحكام التوراة ابتغاء مرضاة الله ولا يغيرونها ولا يحرفونها ﴿ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ ﴾ الربانيون هم الذين منحهم الله العلم والحكمة، فربوا تلاميذهم بصغار المسائل حتى يبلغوا أشُدَّهُم فيبيحون لهم غوامض العلم، وهم المنسوبون إلى الرب جل جلاله، والأحبار هم الذين حَصَّلُوا العلم ولم يُمْنَحُوا الحكمة وهم أمناء الشريعة وأنصار الحكام على بيان الأحكام.
﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾ الجار والمجرور متعلق بحكم، و : ما ، هنا مصدرية، و ﴿ اسْتُحْفِظُواْ ﴾ بمعنى استودعوا أى: جعلهم الله جزنا للعلم يقومون بتأدية الأمانة عند مقتضاها. وسبب الآية خاص وهو أن ابنى صوريا عاهدهما رسول الله ﴿  وآله﴾ على أن يصدقا معه فى الإجابة عما سألهما عنه، وكان أولهما ربانيا والآخر حبرا، فأخبرا رسول الله ﴿  وآله﴾ بحقيقة ما فى التوراة فى شأن الزانى والزانية، وبشأن ما أنزله الله فيها من نعته ﴿  وآله﴾ ، وأنه خاتم الأنبياء، وأنه من ولد إسماعيل، وأخبرا رسول الله ﴿  وآله﴾ بما حرفته اليهود طمعا فى الدنيا الفانية. والحكم عام فإن ربانيى المسلمين وأحبارهم يحكمون كذلك بما أنزل الله تعالى، وبما أودعهم الله من العلم النافع واستحفظهم عليه جل جلاله، وهم سرج الدنيا ومصابيح الآخرة كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا.
﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾ أى: وكانوا على نبوة محمد ﴿  وآله﴾ وتصديق ما جاء به من الدين وعلى تكذيب اليهود له ﴿  وآله﴾، وعلى أممهم بسبب تحريفهم أحكام الله فى التوراة وكلماته سبحانه شهداء بما استودعهم الله تعالى من العلم، ولا يزال هذا الثناء من الله تعالى على كل قائم بمحاب الله ومراضيه فى كل زمان ومكان، حفظا لآيات الله وأحكامه، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾( ) ومن حفظ الله تعالى للذكر – أى: للقرآن المجيد والسنة المحمدية – قيام أفراد من صفوة عباده يحفظون ثغور الإسلام من العدو الداخل والخارج باللسان والقلب، أو بالقلب فقط عند ظهور أهل الباطل، أعاذ الله المسلمين من ظهور الباطل وأهله إنه مجيب الدعاء.
﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ وينهى الله تعالى بنى إسرائيل عن خشية الناس مهما كانت حالتهم فى الدنيا، فإن أحدا لا يضر ولا ينفع من غير إذن الله، خصوصا الخشية التى تجعلهم يتغالون فى الكفر، فيغيرون كلام الله ويحرفون أحكامه خشية من الناس، فيحكمون بالجلد على الزانى والزانية المحصنين الأشراف وإن حكم الله تعالى فيهما بالرجم، ويحكمون على الزانى والزانية الفقيرين المحصنين بالرجم، وكل من يخشى الناس ولا يخشى الله تعالى – خصوصا فى تغيير أحكام الله تعالى – فهو كافر ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ أى: ولا تبيعوا أحكامى فتغيرونها طمعا فى عرض يزول مهما كان مقداره، وهذا العرض بالنسبة لما ينال المغير لحكم الله من العذاب شيء قليل جدا، وهذه الآية يراد بها الحكام وهم الولاة الذين ولاهم الله أمور المسلمين وإن كانت الآية نزلت فى اليهود فإن خصوص السبب لا يقتضى خصوص الحكم. ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ هذه الآيات مرتبطة بالآية المتعلقة بحكم الزانى المحصن والزانية المحصنة التى سبق الكلام عنها، وقد كرر الله هذه الآية فى القرآن بمعناها وبغير لفظها فقال: ﴿ وّمَن لَّم يَحكُم بَمآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِموُنَ﴾( ) و﴿ فأُولِئكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴾( ) والظلم والفسق بمعنى الكفر، والمراد بهذه الآية كلها اليهودوقيل:الآية الأولى للمسلمين وهى قوله تعالى: ﴿ وّمَن لَّم يَحكُم بَمآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ﴾ والثانية وهى قوله تعالى: ﴿ فأُولِئكَ هُمُ الظّالموُنَ ﴾ لليهود، والثالثة وهى قوله تعالى: ﴿ فأُولِئكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴾ للنصارى.
وتحقيق الأمر فى هذه الآية أن من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا حكم الله تعالى فهو كافر، ومن حكم بغير مال أنزل الله مؤمنا بالله ورسوله ولكن هواه وطمعه دعياه لذلك فهو كافر بالحكم فقط، ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى جاهلا بالحكم فهو كافر أو ظالم أو فاسق أو آثم إثما عظيما، وكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
أما الكفر الذى هو مفارقة الإسلام فلا يُحْكَمُ به إلا على من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإلا فهو ارتكاب كبيرة جعل لها القرآن حدًّا مطهَّرا لا توقع فى الكفر، أما المرتد فقتله ليس مطهرا فإنه يقتل كفرا، ومن هذا قوله ﴿  وآله﴾ : ( آية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح ) أى: فى الجماعة، وليس كل مسلم لم يشهد العشاء والصبح فى جماعة يكون منافقا فى الدرك الأسفل من النار، بل المراد بالنفاق هنا النفاق العلمى لا العملى، وكذلك المراد بالكفر والظلم والفسوق المحكوم بها على من حكم بغير ما أنزل الله المراد بها من أهل الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخركفر بالحكم، والخلاف بين العلماء فى هذه الآية لفظى. فإن من أراد بالكفر والظلم والفسق على الجاحد حكم بأنه الكفر الذى يخلد صاحبه فى نار جهنم، ومن أراد بها الكفر بحكم الله تعالى كما هو الواقع من بعض أهل الإيمان الذين يحكمون بغير ما أنزل الله للعاطفة أو للهوى مع كمال الإيمان بالله فهو مرتكب لكبيرة، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾( ) الحساب يوم القيامة بمثقال الذرة.

 

 

 

 

الآية الخامسة: يقول الله تعالى:
" لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴿63﴾ المائدة
( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) ولولا هنا ليست على بابها الذى هو امتناع لوجود، لأنه لم يوجد نهى من الأحبار والرهبان حتى يمتنع ما يكرهه الله. ولكنها هنا بمعنى هلا، وهى حث للعلماء أن يقوموا بما أمرهم الله من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا تركوا المسارعة إلى هذا طمعا فى إرضاء الخلق لينالوا منهم متاع الدنيا القليل؛ أو خوفا على شهرتهم وسمعتهم بين قومهم؛ أو دفعا لما يتوهم أن ينالهم من السوء ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ ويعملون ويصنعون وإن كان معناها واحدا؛ إلا أن يصنعون أشد وأنكى من يعملون، لأن ترك قيام العلماء بتذكير الناس بالله وبآياته وبأحكامه وبحكمة أحكامه ضياع للدين، وخصوصا عند المسلمين الذين لم ينتظروا نبيا يرسل ولا رسولا يبعث بعد خاتم الرسل ﴿  وآله﴾ ، وإن كان ترك الأحبار والرهبان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أنكى من وقوع العامة فى الإثم والعدوان، إلا أنه بهذا القياس يكون ترك علماء المسلمين القيام بالأمر والنهى شرا من ترك علماء اليهود والنصارى قبل بعثة رسول الله وبعد بعثته، لأن اليهود والنصارى قبل البعثة كانوا ينتظرون نبيا مبينا فى كتبهم، أما نحن جماعة المسلمين فعلى يقين حق أنه لا نبى يرسل بعد محمد ﴿  وآله﴾ ، ومن اعتقد أنه سيبعث رسول بعد محمد فقد كفر.
فتعين وجوبا على العلماء أن يضحوا بدمائهم وأموالهم وأولادهم وشهرتهم فى سبيل تذكير عباد الله تعالى، ومن علم المطلوب هان عليه بذل النفس والنفائس. والربانيون هم الذين تجردوا من مقتضيات نفوسهم الأمارة بالسوء، ومن لوازم طبعهم الخبيث، وعناصرهم المتضادة حتى نُسبوا إلى الرب، وهم أهل المعرفة بالله، الذين يعلمون الناس دقائق المسائل. والأحبار جميع حبار أو حبر بفتح الحاء أو كسرها، وهم أهل العلم الظاهر الذين حصلوا أحكام دين الله، وحفظوا ما ورد عنها . والربانى فوق الحبر فى العلم والمعرفة، فإن هذا يتكلم بلسانه عن قلبه عن ربه، وهذا يتكلم لسانه عن خزانة الحافظة عمن فوقه من العلم، وشتان بين صاحب السند الأعلى وصاحب السند الأدنى، ومقام الربانية عزيز إلا على من سهله الله عليهم، قال سبحانه: ﴿ كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾( )

 

الآية السادسة: يقول الله تعالى:
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّٰبِئوُنَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿69﴾ المائدة
الآية الأولى بينت أن نفوسهم عنادية وقد جحدت الحق، وكفرت به من عهد موسى والأنبياء من بعده، وقد استمروا فى هذا الضلال والجحود حتى أخبرنا الله عنهم بهذه الصفات على لسان خاتم الرسل والأنبياء. أما الآية التى معنا فقد فتحت أمامهم أبواب الرجاء والأمل، وأبواب الرحمة والمغفرة، وأنهم إن رجعوا إلى الله وتابوا إليه من هذه القبائح الشنيعة والأفعال المنكرة فإن الله تواب رحيم يقبل توبتهم، ويغفر زلتهم، ولا تكون هذه التوبة إلا بالعمل بما جاء فى التوراة والإنجيل من الحِكم والأحكام، والهدى والإيمان الذى أنزله الله على موسى وعيسى، وكذلك العمل بما أنزله الله على خاتم رسله من الآداب والأحكام التى فصلها القرآن الكريم. .
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّٰبئوُنَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ هذه الآية الشريفة دلت على أن الإنسان – من حيث هو إنسان – مجبول على الشر وعلى المسارعة فى الباطل ، وأن كل إنسان – مهما كان متدنسا بقاذورات الأباطيل والأضاليل – فإنه إذا آمن طهّره الله من كل ذنوبه السابقة، والإيمان طُهْرَةٌ كبرى، والتوبة طُهْرَةٌ صغرى، والفرق بينهما أن الإيمان يطهر من الكفر والتوبة لا تكون إلا من مؤمن فهى تُطَهَّر الذنوب سوى الكفر، والكفر أكبر الكبائر، والذنوب بالنسبة له ليست كبائر، قال تعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لاَ يَغفر أن يُشَركَ بِهِ ﴾( ) والمفهوم أن الذين آمنوا هم الذين صدقوا الله ورسوله محمدا ﴿  وآله﴾ ، والذين هادوا هم اليهود ، والنصارى هم أصحاب عيسى عليه السلام ، والصابئون هم المجوس وجاءت مرفوعة بعد ( إِنَّ ) وهى معطوفة على اسمها ، إما لأن ( إِنَّ ) إذا تلاها اسم غير معرب جاز لك أن تعطف عليه بالرفع ، واسم ( إن) هنا اسم موصول ، وإما أن يكون ذلك لتعظيم شر الصابئين فإنهم شر من اليهود والنصارى ، وكأن الكلام هنا : بل والصابئون ، فجاز رفعها لذلك ، وقد روى بالنصب.
﴿ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ﴾ أى: بالله وبمحمد ﴿  وآله﴾ ﴿ وَاليَوم الأخِرِ ﴾ وهنا ذكر الإيمان بالله وباليوم الآخر لأن الفرق بين أهل الكفر والغفلة وأهل الإيمان هو الإيمان باليوم الآخر، لأن المؤمن يؤمن بأن هناك يوما يبعث الله فيه عباده، فيجازى أهل الإحسان بالإحسان وزيادة، فمنهم من يواجههم بوجهه الجميل، ومنهم من يجلسه على منبر من النور قدام العرش، ومنهم من يمنحه الرضوان الأكبر الذى ى سخط بعده، ومنهم من ينزله مقعد صدق عند مليك مقتدر، ومنهم من يكون فى الفردوس الأعلى، ومنهم ومنهم بحسب مقاماتهم، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعلُومٌ ﴾( ) وهذا هو الذى اقتضى أن يذكر الله اليوم الآخر، قال سبحانه: ﴿ اليومَ نَنسَاكُم كَماَ نَسِيتُم لقاء يَومِكُم هَذَا ﴾( ) فالإيمان باليوم الآخر برهان على كمال الإيمان وصحة المراقبة، ولاَ شكَّ إذا علم الإنسان أنه ميت ولا محالة؛ وأن له بعد الموت يوما يقال له يوم البرزخ، كما كان له يوم يقال له يوم الدنيا، وأنه بعد ذلك اليوم يبعث حيا سميعا بصيرا، وتبصر عيناه الحقائق كلها حتى يبلغ الإيمان مقام اليقين الذى كان عليه الخليل وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى: ﴿ رَبَّنَآ أَبصرنَا وَ سَمعنَا فَارجعنَا نعمل صَالِحاً إِنَّا مُوقنُونَ ﴾( ) وهذا المقام لم يبلغه فى الدنيا إلا كُمَّل الرسل، أما نحن فإنا آمنا بالغيب، وصدقنا الله ورسوله، ومنَّا من يمنحه الله الشهود فى الدنيا، ولا فرق بين من شهد ومن لم يشهد إذا كمل اليقين بما عليه، قال علىٌّ عليه السلام: ﴿ لو كُشِفَ الحِجَابُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً﴾.
وهذا لأن المؤمن الذى سمع رسول الله يخبر عن الله فصدقه لا يحتاج بعد إلى دليل ولا برهان، حتى لو كشف الحجاب لرأى صورة ما علم، ولا يحتاج فى الدنيا لكشف حجاب، وعند أهل اليقين أن الإيمان بالغيب أقوى من الإيمان بالشهادة، لأن عيون بصرهم التى يشهدون بها تكذب عليهم فى كثير من الشئون المحسوسة، فإنها ترينا الشمس كالرغيف وهى قدر الدنيا وما فيها بأكثر من تسعمائة ألف مرة، وتريك الجبل الشامخ كأنه تحت قدميك وبينك وبينه الفراسخ الطوال، وتريك العصا فى الماء معوجة وهى معتدلة؛ فالعين تكذب علينا فيما هو محل إدراكها، فكيف تصدق فيما ليس بمحل إدراكها ؟ والحس كله يكذب علينا؛ فإن المريض إذا ذاق السكر تذوقه مرا علقما، وإذا طعم الملح تلذذ به، وكذلك فإن الأنف المزكوم لا يشم الطيب، والأذن قد تسمع الحسن فتحكم عليه بالقبح، وكذلك الذهن فإنه يحكم على خفايا تخالف الحقائق، فقد يرتب الإنسان الموضوع الذى يريده ثم يتبين له بعد زمن فساد ما رتب، إذن فخبر الله فوق شهود أبصارنا وبصائرنا.
وسمى باليوم الآخر لأن الدار الدنيا هى اليوم الأول، وأيام الله كثيرة، ومن جهل أيام الله نسى الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَذَكّرهُم بِأيَّامِ الَّلهِ ﴾( ) وفى هذه الآية التى جمع الله فيها بين المؤمنين وغيرهم من أهل الملل والنحل؛ ثم أخبر أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فهم سواء فى الجزاء؛ برهان على أن الحجة قامت والمحجة ظهرت، ولا فرق عند الله بعد الإيمان بالله واليوم الآخر وبعد العمل الصالح بين من سبق إيمانه ومن لحق من المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿ وعمل صَٰلِحاً ﴾ شرط فى تحقيق الحكم، إذن فالحكم لا يكون إلا لمن آمن بمحمد ﴿  وآله﴾ وبمن قبله، وباليوم الآخر، وعمل صالحا. ﴿ فلهُم أَجرُهُم عِندَ رَبَّهم ﴾( ) أى: فإن الله يتفضل عليهم بفضله الذى قدّره أزلا، كما قدر توفيقه ومعونته وإقامتهم فى محابه ومراضيه، فهو المتفضل بالتوفيق والمعونة، وهو المتفضل بنسبة العمل – الذى أعان عليه – للعبد، وهو المتفضل بإحسانه إليهم على ما أقامهم فيه، و﴿ عِندَ رَبَّهم ﴾ يعنى أن الذين آمنوا بالله وبرسله جميعا وباليوم الآخر وعملوا صالحا كانوا ممَّن بشرهم الله بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبَّكَ ﴾( ) فهم عنده فوق المعية، وفوق العندية اللدنية.
﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الخوف يكون من متوقع، والحزن يكون على فائت. وهذه الآية الشريفة تكون عند الموت وبعده، فإن المؤمن عند موته يخاف العقوبة ويحزن على ما فات من ذنوبه، فيرسل الله له ملكا يكلمه، فيقول: ما يخيفك يا عبد الله ؟ فيقول: أخاف من وقوع العقوبة علىّ يومَ القيامة، وأحزن على أمرين عظيمين، الأول: الذنوب التى فرطتُ، والثانى: أهلى وأولادى ، فيقول له الملك : أبشر يا عبد الله ، إن الله أقام نفسه وكيلا عنك بعد موتك على أولادك وقد بدل سيئاتك حسنات فيزول حزنه، أما خوفه بعد الموت ففى ثلاثة مواطن ، الأول : القبر، والثانى البعث، والثالث: الورود على الحساب. أما فى الموطن الأول فإن الله يلهمه الصواب فى قوله، فيقال له، نم آمنا، وأما الثانى فإن العالم إذا بعثوا من قبورهم عراة حفاة عزلا حصل لهم الهلع، فيرسل الله لأحبابه نجبا من النور تحملهم فيكون هناك المسرة والحبور، وإذا أوردوا مواجهه الحساب أمر بهم إلى الجنة من غير حساب، فيزول الحزن والخوف بعدها، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فى الفردوس الأعلى. وجائز أن يكون معنى الآية أنهم كمل يقينهم بمشاهد التوحيد؛ حتى اطمأنت قلوبهم بخالص التوحيد أن الله لا يقدَّر على عبده المؤمن إلا ما هو خير له، وبذلك فالناس فى الدنيا وفى الآخرة وعند الموت يخافون ويحزنون، وحق لهم أن يخافوا ويحزنوا إلا من اجتباهم الله فإن الله تعالى بشرهم بقوله: ﴿ فلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلاَ هُم يَحزنُونَ ﴾.

 

 

 

 

Read 113 times
Login to post comments

 

  الإسلام وطن هو الموقع الرسمى الوحيد للطريقة العزمية ، ويمكنك التواصل معنا عبر الوسائل التالية .

صور

Template Settings

Theme Colors

Cyan Red Green Oranges Teal

Layout

Wide Boxed Framed Rounded
Patterns for Layour: Boxed, Framed, Rounded
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…